الحلقة الأول ج 1 من كتاب"عشرة أعوام مع حافظ الأسـد" ما كتَبهُ دينيس روس عن السلام المفقود " وديعة رابين "

إن الرئيس الأسد كان حذراً من الجري إلى صفقة مع الإسرائيلين لا تُؤمن جميع حقوق سورية، و إنهُ كان حريصاً بصفته آخر القوميين العرب الحقيقيين أن تُظهر هذه الصفقة - إن تمت - أن سورية ليست مهزومة. فلابد من أن تستعيد سورية أرضها بأكملها. و بما أنه قد انتظر، كان يريد أن يحصل على ما حصلت عليه مصر - الانسحاب الكامل - و يريد أن يعطي أقل مما أعطت. و كان يريد أن يبين أنه يستطيع تحقيق شيء أفضل مما حققتهُ مصر. و إضافة إلى ذلك، يجب ألا تكسب إسرائيل، و ألا تبدو أنها كسبت من الإتفاقية - سوى أن الأسد يعرض عليها نهاية للصراع " . و أضاف أن رئيس سورية كان مصمماً على الامتناع عن إعطاء أي شيء مجاني. لابد من أن يكون كل شيء جزءاً من صفقة " .


و وصف روس السبب الذي يجعل الأسد مفاوضاً ممتازاً : " كانت كل نقطة مهما تصغر في مناقشتنا جديرة بالبحث. و كان يرى التباحث نوعاً من الرياضة. كانت المفاوضات تمريناً في الاستنزاف. و هو يستطيع دائماً التفوّق على الطرف الآخر في التحمّل. و لم يكن مستعجلا قط. كان قانعاً بالعيش من دون إتفاقية، و خصوصاً إذا لم تلبِّ تلك الإتفاقية معايير الكرامة و الشرف لديه. و لم يكن ليسمح لأي شخص أن يتفوق عليه بأي طريقة " .


و أشار روس أيضاً إلى مراسلات عام 1915 الشهيرة بين أمير مكة الشريف حسين بن علي و المفوض السامي البريطاني السير هنري مكماهون . في الرسائل المتبادلة بينهما، وعَدَ العرب بإثارة تمرد الدولة العثمانية مقابل قيام حكم عربي فوق الأراضي المحرّرة جميعها فور بلوغ الحرب العالمية الأولى نهايتها. قال روس : " أثناء مراسلات الشريف حسين الشهيرة مع مكماهون، أوضح حسين أن " أي تنازل يخطط لإعطاء فرنسا أو أية قوة أخرى شبراً واحداً من الأرض مرفوض كلياً " . و في عيون العرب يبين تعبير رفض التنازل عن شبر واحد من الأرض - و هو شيء قُدر لي أن أسمعهُ في أحيان كثيرة بعد سبعين عاماً من الرئيس الأسد - أن الأرض تكاد تتمتع بصفة قدسية " .


و كم كان محقاً، فمن المؤكد أن الأرض كانت مقدسة لدى الرئيس الأسد، و هذا هو السبب الذي جعله يثبت أنه مفاوض صعب المراس أثناء عملية السلام، و خصوصاً في ما يتعلق بقبوله وديعة رابين. هو أنه يريد إنسحاباً كاملا نظيفاً، ثم إقامة السلام.

 


من كتاب الدكتورة بثينة شعبان / عشرة أعوام مع حافظ الأسد 1990-2000 / ص 154