لماذا لا يكون الرد فوريا على الاعتداء الاسرائيلي - الفرنسي

*الجمل : بقلم توني كارتالوتشي -  ترجمة :  رنده القاسم


تحدثت مصادر إعلامية  روسية و غربية عن ضربة مشتركة إسرائيلية- فرنسية على سوريه في السابع عشر من شهر أيلول. و تضمن الهجوم طائرات حربية إسرائيلية و بارجات صواريخ فرنسية تعمل في البحر المتوسط  قبالة الساحل السوري، و وسط الهجوم اختفت طائرة استطلاع  روسية إيل-20 و على متنها أربعة عشر شخصا.

الهجوم أثار فورا التعليقات و التحليلات و الانتقادات التي تنادي بالانتقام الفوري على العدوان العسكري غير المبرر، مع التحذير بأن عدم الرد سيجعل روسيا تبدو ضعيفة، بل إن البعض ذهب لدرجة المناداة بتنحي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهذا الهجوم يعيد للذاكرة إسقاط تركيا لطائرة روسية عام 2015 إذ  انطلقت حينها صيحات مشابهة مترافقة مع انتقادات مشابهة للضعف الروسي، و مع ذلك و منذ  2015 و روسيا تحقق مكاسبا كبيرة  و هي تعمل بصبر  و بطريقة منهجية  على مساعدة سورية في حربها بالوكالة مع الولايات المتحدة و الناتو و مجلس التعاون الخليجي و إسرائيل.و ساعدت روسيا سوريه في استعادة مدينة حلب الشمالية ، و تمت استعادة تدمر مما تسمى الدولة الإسلامية في سورية و العراق (داعش) ، كما استعيدت حمص و حماه و الغوطة الشرقية و مدينة درعا الجنوبية ما جعل  فعليا كل شيء غرب نهر الفرات تحت سيطرة دمشق.

و في الواقع تم تحقيق النصر شبه الكامل  عن طريق تجاهل روسيا و حلفائها لسلسلة الاستفزازات، التي كانت تقوم بها الولايات المتحدة و الناتو و مجلس التعاون الخليجي و إسرائيل، و التركيز ببساطة على مهمة استعادة الأمن و الاستقرار بشكل نظامي لبلد يعاني من الصراع.

و الآن الجيش السوري على أبواب إدلب  بدعم روسي، و يمكن القول بأن كفة ميزان القوى قد رجحت لصالح دمشق لدرجة أن تركيا وجدت نفسها تسعى للتفاوض مع روسيا حول هذه المنطقة الأخيرة التي لا تزال تحت سيطرة القوات الوكيلة عن الغرب.و كانت سورية و حلفاؤها يحققون النصر لمستقبل الأمة قبل الهجوم الإسرائيلي الفرنسي، و لا يزالون ينتصرون في هذه الحرب بالوكالة بعد الضربة المشتركة .

لقد صمدت سوريه أمام المئات من هذه الهجمات ،كبيرة كانت أم صغيرة ، خلال السنوات السبع الماضية.

كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تعمل على مسافة ، مستخدمة أسلحة متحفظة، و كذلك اتصفت الصورايخ الفرنسية ،التي أطلقت من بارجات،  بإستراتيجية متحفظة ترمي لتفادي التحليق فوق الأراضي السورية و الاستهداف من قبل الدفاعات الجوية السورية.

و يقر مبدأ الحرب الحديثة أنه لا يمكن إحراز النصر في حرب باستخدام القوة الجوية وحدها، و هذا يعني أن الدولة التي تشن غارات جوية على أمة مستهدفة لا يمكنها تحقيق النصر بدون قوات على الأرض تنسق  مع القوى الجوية من الأسفل.

فإذا كان من المستحيل إحراز النصر بالقوة  الجوية وحدها ، فإن القوة الجوية المتحفظة ستجعل تحقيق النصر أكثر استحالة.و لكن هناك دافع محتمل وراء سلسلة الهجمات الغربية ، فالحرب الإلكترونية الحديثة تتضمن استكشاف و مقاومة أنظمة الدفاع الجوية ، و في كل مرة ينشط  فيها نظام الدفاع الجوي يمكن التحقق من موقعه و مواصفاته ، و حتى إذا كان متحركا ، فإن المعلومات التي تتوفر في الهجوم خلال محاولة استكشاف الهدف و ضربه لا تقدر بثمن بالنسبة للخطة الحربية .

و في حال استخدمت  روسيا أكثر أنظمة دفاعاتها الجوية تطورا خلال الاستفزازات ، مانحة  الغرب صورة عن تقنياتها بشكل عام  و عن ترتيبها لهذه الأنظمة في سورية بشكل خاص، فإن  الأمر الذي سيكون فعالا جدا في حال قرر الغرب شن ضربة قاضية عبر هجوم جوي شامل .

و هذا بالضبط ما فعلته الولايات المتحدة عام 1990 خلال عملية عاصفة الصحراء عندما واجهت الدفاعات العراقية الهائلة ، فالحملة الجوية الأولية سبقها استخدام طائرات بدون ربان من أجل خداع الدفاعات الجوية  العراقية و دفعها لتشغيل تجهيزاتها تحت مراقبة  طائرة حربية إلكترونية أميركية كانت تحلق على طول الحدود العراقية السعودية، و كشف موقع و ميزات أنظمة العراق المضادة للطائرات هو ما مكن الولايات المتحدة من  سحق الدفاع الجوي العراقي فيما بعد.و إذا أخذنا بعين الاعتبار مئات الاستفزازات التي شنت ضد سورية ، يمكننا عندها الافتراض بأنه في موقع ما كانت هناك محاولات جدية من المراقبة و الاستطلاع الإلكتروني، و يمكننا أيضا أن نفترض أن القيادة العسكرية الروسية ذات الكفاءة  مدركة لهذا الأمر و اتخذت الإجراءات لإخفاء تنظيم و قدرات أنظمة دفاعها الجوية الرئيسية إلى أن يغدو من المحتم الكشف عنها .

و من الصعوبة بمكان أن يرى أي إنسان الخسائر التي لحقت بالطيران السوري و الروسي و  إصابات القوات السورية و حلفائها على أرض المعركة دون أن تجتاحه الرغبة بالثأر السريع.

و لكن مع ذلك يجب أن نتذكر  أن الرد الفوري نادرا ما يخدم استراتيجيات النصر طويلة الأمد، و في كتابه "فن الحرب" يحذر القائد الحربي و الاستراتيجي الصيني القديم " سون تزو"  القادة المعاصرين له و المستقبليين من خطر الاستجابة للمشاعر على حساب الإستراتيجية  العاقلة ، و يقول : " لا تتحرك قبل أن ترى الفائدة، لا تستخدم جنودك قبل أن يكون  هناك ما يمكن اكتسابه، لا تقاتل قبل أن يصبح الوضع حرجا...

ما من قائد يضع جنوده في الميدان لكي يروي  حقده، ما من جنرال يقاتل معركة بسبب الغضب... إن كان الأمر لصالحك تقدم ، و إن لم يكن كذلك ابق حيث أنت ...  الغضب قد يتحول مع الوقت إلى بهجة، و قد يتبع الإغاظةَ الرضا...و لكن المملكة التي تدمر  مرة لا يمكنها أن تعود للوجود ثانية  ، و لا يمكن أبدا أن يعود الأموات للحياة...و لهذا يكون القائد المستنير متنبها  و الجنرال الجيد مفعما  بالحذر...و هذه هي الطريقة للاحتفاظ بالبلد آمنا من الأعداء".


و ليس من صالح روسيا  إغراق بارجات فرنسية أو استعراض القدرات الكاملة لأنظمتها الدفاعية من أجل إسقاط حفنة من الطائرات الحربية الإسرائيلية إرضاء للرغبة العامة بالثأر الفوري أو لحماية فكرة أن روسيا لا تُغلَب .

بل إن من صالح روسيا أن تكسب في الحرب في سوريه، و تماما كما في 2015، عندما تعالت الصيحات من أجل الانتقام الفوري بشأن إسقاط تركيا لطائرة روسية، فإن سوريه و روسيا و إيران ستستمر بالتقدم للأمام- بشكل بطيء و منهجي-  لحماية الأراضي السورية من وكلاء الخارج الساعين لتقسيم و تدمير البلد، و الانطلاق نحو إيران و من ثم إلى جنوبي روسيا.و الرد على سلسلة الاستفزازات أقل أهمية بكثير من النصر الشامل في سوريه. و قدر سورية كأمة ، و ما ينتج عنه من أمن إيران  بل و حتى حماية روسيا نفسها هو المهم. و المهمة  الضخمة لأولئك الذين خططوا و نفذوا نصر سوريه المتزايد ،على قوى وكيلة مدعومة من قبل أكبر و أقوى قوى عسكرية و اقتصادية في العالم، يمكن أن تلقى دعما كبيرا من  القدرة الشعبية على استيعاب الفرق بين إرضاء قصير المدى و بين نصر طويل الأمد و كيف أن الأول بلا ريب و بشكل متهور  يعرض الثاني للخطر.إن الانتقام الأكبر من أولئك الذين ابتلوا الشعب السوري بالحرب يكمن في هزيمتهم الكاملة و الشاملة.

 


*كاتب و باحث جيوسياسي عن مجلة New Eastern Outlook  الالكترونية