إدلب ...المعقل الأخير للديمقراطية أم للإرهاب ؟

الجمل ـ *بقلم توني كارتالوتشي ـ ترجمة رنده القاسم:

زادت الولايات المتحدة من توتر الصراع القائم في سورية ،حيث نشرت تهديدا على شكل "تحذير" ضد قيام دمشق باستعادة  إدلب في المنطقة الشمالية . و بشكل أدق اتهمت الولايات المتحدة دمشق بالتحضير لهجمات بأسلحة كيماوية كجزء من إستراتيجية تهدف لاستعادة المنطقة.

ما من دليل تم تقديمه من قبل الولايات المتحدة لإثبات صحة هذه الاتهامات، و من الواضح أن التحذير هو فعليا تهديد يتضمن استفزازات مخططة سيتبعها على الأرجح اعتداء عسكري أميركي.

مدينة إدلب الشمالية هي في الواقع عاصمة القاعدة في سورية، إنها مقر فروع القاعدة و شركائها و حلفائها مثل  تحرير الشام  و التي كانت سابقا جبهة النصرة و المصنفة من قبل الإدارة الأميركية كمنظمة إرهابية خارجية، و نور الدين الزنكي و هي جبهة عسكرية مسلحة و مدعومة من الولايات المتحدة و اشتهرت بفظاعاتها الحربية بما فيها التعذيب و الإعدام و المتضمن ضرب عنق طفل. و أحرار الشام التي تعاونت مع الدولة الإسلامية في سورية و العراق (داعش).

وطبيعة المقاتلين المحتلين لإدلب معروفة تماما لواشنطن و لندن و بروكسل و دول الخليج العربي الراعية لهم، و بسبب هذه المعرفة يعمل محتكرو وسائل الإعلام الغربية بشكل محموم على حجب  فظاعاتهم و إنكارها و الدفاع عنها بل و حتى إيجاد الأعذار لها.  و حين قامت  جبهة نور الدين الزنكي الإرهابية في إدلب بقطع رأس طفل، حاولت ال BBC بشكل مخز الدفاع عن هذه الفظاعة بافتراض أن الصبي كان "مقاتلا" ، مع محاولة التشكيك في عمره و قالت:

"...يبدو إنه كان بعمر العاشرة، رغم أن بعض التقارير افترضت أنه أكبر بكثير..."


و يبدو أن ال BBC غير مبالية بحقيقة أنه إذا كان الضحية مقاتلا و فوق عمر الثامنة عشر فإن جبهة نور الدين الزنكي تبقى آثمة بجريمة حرب فظيعة.و دفاع الBBC  عن جرائم حرب ارتكبت من قبل منظمات إرهابية تحتل أراض سورية ما هو سوى القاعدة لا الاستثناء، لا بالنسبة للBBC  التي تبثها الحكومة البريطانية فحسب بل أيضا بالنسبة لوسائل الإعلام الغربية كلها، و منذ بداية الصراع عام 2011 و الBBC  و غيرها  تلعب دورا مباشرا في التكتم على فصائل المقاتلين الإرهابيين الساعين لإسقاط الحكومة السورية.


إدلب لا تزال واحدة من آخر معاقل القاعدة في سورية و خاصة بسبب قربها من الحدود التركية، تركيا العضو في الناتو التي وفرت و لسنين الدعم المالي و السياسي و العسكري للميليشيات المقاتلة في سورية. و أصبحت إدلب ، منذ سقوطها بيد الإرهابيين المدعومين من الخارج، خطيرة جدا بحيث  يتعذر الوصول إلى كثير من مناطقها من قبل وسائل الإعلام الغربية و المنظمات الغربية التي ترسل المساعدات للمجموعات التي تحتلها.

مؤسسات البحوث في الولايات المتحدة كتبت تقارير كاملة عن حالة إدلب كمركز خطير للقتال المسلح، و تحت عنوان "سلطوا الضوء على إدلب المتمردة"  نشرت Century Foundation عام 2016 ورقة جاء فيها:

"الإجراءات الحدودية الصارمة التي اتخذتها الحكومة التركية و الوضع الأمني داخل إدلب يشير إلى أن الوصول إليها محدود. و الخطر يتضمن القصف الجوي و التهديد بالخطف من قبل مجرمين متهورين و بعض المجموعات التي تمت الإشارة إليها في هذا التقرير، و مع بعض الاستثناءات ، لا يمكن لباحثين و صحفيين غربيين مستقلين العمل بأمان في إدلب".

و مع الاستئصال الأخير لمتطرفين حول دمشق و جنوب درعا و إرسالهم إلى أدلب، أصبح التركيز أكبر على "المجرمين المتهورين" و "بعض المجموعات" التي أشارت إليها Century Foundation .

في عام 2016 أقرت Century Foundation بأن تحقيقاتهم،  و بسبب خطورة الدخول إلى إدلب ،  تتم عبر لقاءات عن بعد، ما يعني أن وسائل الإعلام الغربية اليوم تعتمد بشكل كبير على وسائل كهذه من أجل جمع المعلومات، في حال لم تكن تقوم على تلفيقها ببساطة . كما أفصح تقرير   Century Foundation عن جانب هام  في وضع إدلب الحالي كعاصمة للقاعدة في سورية ( حيث الدعم الغربي الشامل يحفظها من الغرق)، و أشار أولا إلى الدور القيادي الذي تلعبه منظمات متطرفة في إدلب:

"استولت مجموعات إسلامية و جهادية مسلحة على السلطة على مستويات محلية ، و من ثم طورت هيئات محنكة  لخدمات التنسيق".

و ذكر التقرير بأن الشبكات و المنظمات المحلية التي يشرف عليها هؤلاء  المتطرفون ممولة بشكل كامل من الولايات المتحدة و المملكة المتحدة و الإتحاد الأوربي:

"علاوة على المساعدة بتنظيم توزيع الإعانات، توفر الجمعيات خدمات محلية مؤقتة بشكل ناجح تتدرج من عمل المخابز إلى تنظيف الشوارع و التخلص من النفايات و ترميم شبكات المياه و صيانة الطرقات....تلقى الكثير من تلك الخدمات، ذات الموارد الكثيرة ، الدعم من مانحين دوليين مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، و إدارة المملكة المتحدة للتنمية الدولية (DfID),و التي جعلت أولويتها تقديم الدعم للإدارة المدنية  و توفير الخدمات. و قدمت الولايات المتحدة الدعم عبر عدد من المكاتب و تتضمن USAID و المكتب التابع لها و المتعلق بالمبادرات الانتقالية ( USAID/OTI) ذات  "البرنامج الإقليمي السوري" الذي يملك تفويضا سياسيا أكثر مباشرة من أجل دعم منظمات المعارضة المعتدلة و تعزيز قيم التسامح.و تم تسليم  بعض المساعدات الدولية عبر مشاريع منفصلة مثل "بالأخضر" و "تمكين" مدعومة من قبل مانحين يضمون USAID و Conflict Pool التابعة للملكة المتحدة و الإتحاد الأوربي".

كما أشار التقرير إلى "الخوذ البيضاء" ذات السمعة السيئة و إلى "الشرطة الحرة" التي تم سحب التمويل منها و فضحها:
"و تتعاون الجمعيات المحلية مع مؤسسات ناشئة محلية أخرى مثل الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) و الشرطة الحرة في إدلب، و المدعومتين أيضا من قبل حكومات مانحة دولية"....و بينما قام الغرب مؤخرا بمضاعفة دعمه ل "الخوذ البيضاء" رغم الأدلة التي تربطها بالقاعدة، فإن ما يسمى "الشرطة السورية الحرة " قد قطعت تماما من التمويل.
بدءا من المجموعات المقاتلة التي تحتل إدلب و إنتهاءا بالشبكة الإدارية التي تحاول إدارة المنطقة ، يبدو من الواضح أن السكان رهينة عند تطرف  وقع  بسبب المساعدة الغربية و التي تحدثت عنها مؤسسات الأبحاث الغربية و كشفت كيف أنها تنتهي مباشرة و بشكل حصري في أيدي الإرهابيين.

و في حال تم قطع هذا الدعم ، فإن القدرات القتالية لدى الإرهابيين المحتلين لإدلب سوف تنهار بسرعة، و الدعم الغربي المستمر لمحتلي إدلب الإرهابيين  يضمن  وقوع معركة دموية من أجل تحرير السكان المدنيين الرهائن المعرضين لتعسف  المتطرفين.

إذن ليست البروبوغندا الروسية أو مكتب العلاقات العامة في دمشق من يقوم على فضح إرهاب أولئك المحتلين لإدلب و ضرورة قيام القوات السورية بتحرير المنطقة، إنها وسائل الإعلام الغربية عبر اعترافاتها المتفرقة التي تقرأها عبر السطور  مثل ما ورد في صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا تحت عنوان :"عاصفة موت الديمقراطية السورية آتية:

"هجوم نظام الأسد الوشيك على إدلب سوف يقوي الجهاديين و يحطم آخر ديمقراطيي الثورة ، لماذا يقف العالم جانبا؟"...
و سخافة إعلان أن العمليات الأمنية الرامية إلى استئصال المحتلين الإرهابيين في إدلب سوف "تقوي الجهاديين" تشير إلى التخلي عن الواقع عند الكثير من بقية ما يسمى المعارضة، و يدل على ذلك العبارة التالية:

"السكان في إدلب مدركون أنهم على الأرجح سوف يتُركون لمصير مشابه لمصير مواطنيهم في إدلب و الغوطة، و الغضب  من خيانة ما يفترض أنهم قوى ديمقراطية عميق و متزايد. لقد أدرك  السكان أن من يفضلون الاستقرار بأي ثمن يرون أن مقاومتهم المستمرة غير ملائمة. و لكن استئناف سيطرة النظام على إدلب لن يؤدي إلى السلام، و لا إلى الاستقرار، بل سيقضي على الديمقراطية كبديل عن الطغيان، و يترك الجهاديين ، التواقين للعنف و الاضطهاد و الاحتلال، يشكلون  تهديدا طويل الأمد للمنطقة و العالم حتى آخر رجل منهم".

و لكن إذا كانت "القوى الديمقراطية " المزعومة ، و التي هندست صراع سورية عام 2011 و دعمت المقاومة في إدلب لا تهتم فعليا ب "البدائل الديمقراطية" فهي على الأرجح ليست حقا "قوى ديمقراطية" . فمصالحها في سورية غير مرتبطة  على الإطلاق و هي مختبئة  تحت أفكار  "إنسانية" و "ديمقراطية". و كل  "الثورة" المفترضة غطاء فوق تغيير النظام المدعوم من الغرب لهدف السيطرة على المنطقة و العالم.

و ما تسمى "معارضة" لا توجد فعليا كعامل فعال في  الصراع السوري و لم تكن كذلك أبدا. إنها حاجة سطحية من أجل "إكساء نوافذ" التغيير العنيف للنظام  بدعم من الغرب و الذي يتم بمنظمات إرهابية عنيفة و مجرمة . و مع تنظيف إدلب من الإرهابيين بشكل كامل، سيكون أمام القوات السورية و حلفائها الإيرانيين و الروس مواجهة الاحتلال الأميركي في شرق سورية و التركي في الشمال.

محاولات إظهار إدلب كمعقل للديمقراطية ، و الحكومة السورية كدكتاتورية قاسية ترهب الشعب، بينما هي في الحقيقة تقضي على ميليشيات يتفق كل من الغرب و دمشق على أنها إرهابية ، ما هي سوى محاولات  من أجل التغطية على معركة أخرى واضحة جدا بين دولة ذات سيادة تدافع عن حرية أراضيها ، و بين غزو أجنبي بالوكالة ابتليت به سورية منذ عام 2011.

 

 

* باحث جيوسياسي و كاتب
عن مجلة New Eastern Outlook  الإلكترونية