حول الوجود الكردي في سورية

الجمل: محمّد أمين حسين الرجا :

بالنسبة للموضوع الكردي فإنه ذو شجون وجوانب وخصائص وخفايا متعددة لعلها لا تتوافر في المواضيع القومية الأخرى ويمكننا الكلام بهذا الموضوع من خلال النقاط التالية :

1- النقطة الأولى :

إن إمتلاك الشعوب للأراضي عبر التاريخ يتم إما بأن يكون هذا الشعب أوذاك قد سكن هذه الأرض أو تلك قبل غيره من الشعوب وأستقر بها وبنى عليها كيانه القومي الذي هو أساس وجوده ، أو أنه أمتلكها بحق الغزو والفتح الذي كان سائداً عبر التاريخ .

وعندما نتمعن في الموضوع الكردي في سورية نجد أن كلا هاتين الحالتين غير متوافرتين في حالة الوجود الكردي في الأراضي السورية .

فهذه الأراضي التي يسكنها الأكراد في سورية هي على الأقل منذ حوالي أربعة عشر قرناً هي من أرض العرب وتشكلالاكراد في سورية جزءاً من الأراضي التي قام عليها سلطان العرب سواءاً في العصر الراشدي أو العصر الأموي أو العصر العباسي أو العصر العثماني إلى عهد محمد علي باشا إلى يومنا هذا ، وقد قال في يوم من الأيام ابراهيم بن محمد علي باشا أثناء دخول قواته إلى بلاد الشام في حربه ضد الدولة العثمانية إنه سيتوقف في فتوحاته حيث ينتهي اللسان العربي وبالتأكيد في حينها لم يكن بهذه الأراضي التي يسكنها الأكراد اليوم في سورية إلا اللسان العربي .

ومن الجدير بالذكر القول أنه بالنسبة للفترات التاريخية التي يكون الحاكم فيها لمنطقتنا العربية من الأكراد فما كان لا هذا الحاكم الكردي ولا الأكراد أنفسهم ولا السكان العرب ينظرون إلى هذه الحالة أنهم بصدد دولة كردية بل كل مافي الأمر أن ثقافة العرب ودين العرب وحضارة العرب لم تكن متعصبة في موضوع الحقوق تجاه القوميات الأخرى بل على العكس من ذلك تماماً فقد شكّلت  مناخاً مناسباً سمح ومن منطلقات فكرية وثقافية وإعتقادية بظهور هكذا حالات كما في حالة صلاح الدين الأيوبي الذي هو من الأكراد ومع أنه من غير العنصر العربي نجد أن أمتنا العظيمة سارت خلفه ولكن مع ذلك لا أحد من المفكرين يقول إن الدولة الأيوبية هي دولة كردية بإجماع الآراء ، بل إنها دولة قامت على أرض العرب وفي بلاد العرب وكانت مادتها البشرية الغالبة من العرب .

النقطة الثانية :

إننا نعترف للأكراد في سورية بالملكية المدنية لا الملكية السياسية للأراضي التي يسكنون عليها في سورية  فملكية الاكراد السوريين للأراضي التي بيدهم هي :

- ملكية مدنية وليست ملكية سياسية .- وملكية فردية وليست ملكية جماعية .- وملكية فئة من شعب لا ملكية شعب .

والفرق بين الملكية المدنية والملكية السياسية يمكن اختصاره بأن الملكية المدنية هي مثل ملكية المواطن لأرضه حيث تخوله هذه الملكية الحيازة والانتفاع والتصرفات المادية والقانونية من بيع وتأجير وبناء وتشييد وغير ذلك من التصرفات المادية والقانونية الأخرى ولكن لاترقى هذه الملكية إلى الإعتراف بحق هذا المواطن في اقامة كيان مستقل عن دولته على هذه الأرض أو إقامة علاقات مع الدول الأخرى على هذه الأرض بحجة أنها أرضه فهذا حق سياسي سيادي للدولة وليس للفرد إذ ينصرف هذا الحق للروح العامة لكل الشعب وليس لفرد من الشعب وعند هذا الحد تنتهي صلاحيات وسلطات الملكية المدنية وحينها تستمر أو تبدأ صلاحيات المالك السيادي وهو الشعب من خلال جسده العام وشخصه العام المتمثل بدولته تلك الدولة التي انبثقت عن هذا الشعب من أجل تكوين الجسد العام الذي يتملّك تملّكاً سيادياً لجميع الأرض التي قامت عليها هذه الدولة .

النقطة الثالثة :

لايرقى الوجود الكردي في سورية لمستوى إقامة دولة لأسباب عديدة واضحة وصريحة وفي مقدمتها الأسباب التالية :

1- السبب الأول : إن وجود الأكراد في سورية ليس بالوجود البعيد والموغل في القدم بل إنه (وجود وافد عارض حادث) ، وليس فقط كذلك بل إن هذا الوجود الوافد الحادث إنما كان الى اراضي دولة قائمة وموجودة وإلى كيان سياسي قائم وموجود فلم : - يتواجد الأكراد في سورية كفاتحين لهذه الأرض فنقول أنهم تملكوها عبر العصور بهذه الطريقة .- ولا أنهم شعب وفد لأرض شاغرة سياسياً أو لا سيادة لأحد عليها فنقول أنهم جاؤوا إليها بنيّة إمتلاكها وتشييد دولتهم عليها .

2- السبب الثاني : إن الوجود الكردي في سورية (وجود قليل) وإذا سلمنا بحق هذا (الوجود الحادث القليل) بإقامة دولة على مالديه من أرض في سورية فهذا ضرب من الخبل لا يقول به أحد ممن لديه أبجديات السياسة ففي كل دول العالم

هناك فئات وشرائح وأعراق وقوميات من الأقليات التي لا عد لها ولا حصر فهناك :- عرب يعيشون بأرض الترك .- وأتراك يعيشون بأرض الفرس .- وفرس يعيشون بأرض العرب .- وعرب يعيشون بأرض الفرس .وهكذا فهل نقول لهذه الأقليات اقيموا دولكم حيث أنتم !!! هذا ضرب من الخيال وضرب من المستحيل بل نوع من الجريمة واللصوصية شبيه بالمثل الشائع والمعروف الذي يذكرنا بملكية جحى لمسماره في بيت غيره .

وبسبب هكذا تصرفات غير شرعية  فإنه ينشأ حق لدى الدول يتمثل بالتشدد تجاه المهاجر والوافد والضيف والمقيم ولا تلام الدول في ذلك لأن التراخي في مثل هذه الأمور يؤدي للاستملاك التدريجي الغير مبني على أي أساس من أسس قيام الحق ونشوءه ولا على أي أساس من الأسس التي تقوم عليها الشرعية فضلاً عن القيم والأخلاق .


النقطة الرابعة :

 
عبر العصور عاش العرب والأكراد سويةً ولم تكن هذه المشاعر العدائية تجاه العرب متواجدة في صدور الأكراد بل على العكس من ذلك نجد الإلفة والوئام والعيش المشترك أما ما نراه حالياً فهو من نتائج زراعة السياسيين وأعداء الأمة في العواصم الغربية وفي العاصمة الإسرائيلية تل أبيب لبذور الفتنة والبغضاء في صدور الأكراد تجاه العرب بهدف تفتيت المنطقة وتجييشها ضد بعضها البعض مما يوفر جواً مناسباً لإستمرار الهيمنة الغربية على هذه الديار المتناحرة وذلك من خلال أستخدام الدول الغربية وإسرائيل وبكل إتقان للمبدأ القديم والمعروف والمستمر حتى هذه اللحظة ألا وهو مبدأ فرق تسد .


النقطة الخامسة :

فيما إذا كان هناك من يعتقد أن الأكراد يتعرضون لظلامة الحرمان من العيش في وطن قومي لهم وقمنا بالتماشي مع هذا الأعتقاد فإننا في سورية وشعبها لا نتحمل من أوزار هذا الأمر شيئاً فأقل نسبة تواجد للأكراد إنما هي في سورية .

وعلى العموم يمكن القول إن الوضع العام الحالي للأكراد هو من سمات وخصائص الشعب الكردي وهو من نتاج سياق تاريخي تعود أسبابه وعوامله إلى الشعب الكردي نفسه ولا يجوز رميه على دولة مستقلة ذات سيادة .

النقطة السادسة :

مع كل ماذكرته فإنني ميّال للتعليق في الهامش على الفقرة الثانية من المادة الأولى من الدستور والتي تنص على أن :

2- الشعب في سورية جزء من الأمة العربية .

وفي بداية تعليقي على هذه الفقرة أحب أن أقول بإنصاف أنه لا لوم ولا تثريب على صياغة هذه الفقرة بهذه الطريقة لأنها جاءت على نحو :

- القضية الحملية الموجبة الكلية .

وايضاً جاءت على نحو :

- القضية المنطقية غير المسوّرة .

أي خالية من السور وكما نعلم فإن السور في القضايا الحمليّة حسب قواعد علم المنطق الذي وضعه الفيلسوف اليوناني أرسطو هو لفظتي (كل) و (بعض) .

حيث لم يأتي المشرع بهذه الفقرة مشتملة على السور فلم يقل مثلاً :

2- (كل) الشعب في سورية جزء من الأمة العربية .

ولم يقل مثلاً :

2- (بعض) الشعب في سورية جزء من الأمة العربية .

لذا فلا حجة علينا إذا ما خاصمنا أحد وقال أنكم تعمّمون وأنكم تعرّبون كما تشاؤون وتجعلون من الجميع عرباً سواء كانوا عرباً أم لم يكونوا كذلك . ودليلنا على ذلك واضح وهو خلو هذه الفقرة من السور فلا حجة لأحد علينا بعد قيام مشرعنا الوطني بإحكام هذه الصياغة حيث أنه لم يقم المشرّع بتسوير هذه الفقرة بل جاء بها على نحو القضية المنطقية الحملية الموجبة الكلية الخالية من السور الذي هو لفظة (كل) والذي لو تم استخدامه فإن ذلك سيؤدي لإستغراق الحمل الوارد بهذه القضية لجميع مصاديق الموضوع .

ومع كل هذا الكلام السابق فإنني ميّال إلى أن تكون صياغة هذه الفقرة كما يلي :

2- المواطنون السوريون العرب جزء من الأمة العربيّة .

3- المواطنون السوريون غير العرب جزء من الشعب السوري .

أي نعمد لتقسيم هذه الفقرة لفقرتين كما سبق .


*نائب في مجلس الشعب السوري ـ عضو لجنة الأمن الوطني