النهايات رسمت في هلسنكي والتنفيذ بدأ من الجنوب

قبل قمة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب، والتي عقدت في العاصمة الفنلندية هلسنكي يومترامب -بوتين الثلاثاء 17 تموز/يوليو 2018، كثرت الاستشرافات والتوقعات، وقدمت مراكز الأبحاث الغربية العديد من التكهنات ورسمت سناريوهات واحتمالات، بل وقدمت نصائح وتوصيات تطالب الرئيس الأمريكي بالالتزام بأجندة معينة تخفض، على الأقل، من مستوى الانتصار السياسي للرئيس الروسي. وبالطبع كانت سورية القضية الأكثر محورية فيما تناولته هذه المراكز.حتى الأوراق البحثية التي لم تحمل في عناوينها صراحة قمة هلسنكي، حملت في مضمونها رسائل موجهة للرئيس الأمريكي، وأوضح الأمثلة المقال الذي نشرته مجلة فورين أفيرز بعنوان «لا تخرج من سورية» بتاريخ 11 تموز/يوليو 2018، والذي تطالب صاحبته الإدارة الأمريكية ليس فقط بالإبقاء على قواتها داخل سورية، بل وبـ «الاستثمار في بناء النفوذ الآن لاتخاذ إجراءات حاسمة في المستقبل من خلال تعزيز القدرات العسكرية والإدارية لشركائها على الأرض، استعادة ثقة "المتمردين في سورية، إعادة بناء قوات "المتمردين"، حرمان الأسد من الشرعية الدولية...».

ترفض مراكز الأبحاث إظهار أهدافها الحقيقية وما تريده الولايات المتحدة في سورية، ويرفض بعضها الإقرار بالهزيمة هناك، وتبعات الهزيمة على التوازنات الدولية خاصة بين القوتين العُظميين. تتذرع هذه المراكز بعودة ظهور الإرهاب وتعاظم النفوذ الإيراني، وكأن هذه القضايا كانت موجودة قبل بدء الأزمة والدعم الغربي والإقليمي للتنظيمات المسلحة والجماعات الإرهابية ضد سورية الدولة قبل "النظام"!

يتحدثون كذلك عن مزيد من الفوضى إذا ما استعادت الدولة السورية سيطرتها على كامل البلاد، ويتجاهلون تماماً أن كل المناطق التي استعادتها الدولة تعود إلى الحياة بخطى متواترة وحثيثة، على عكس المناطق التي انتزعها الإرهابيون أو الأمريكيون وحليفهم الكردي في الشمال.هذه الحجج لا تقنع حتى ترامب نفسه.


لقد وضعت مراكز الأبحاث قوائم بما يجب على ترامب عمله في سورية، وما عليه المطالبة به خلال اجتماعه مع بوتين. بعضها اعترف بالأمر الواقع وأقر بـ "هزيمة" أمريكا في سورية، وبدأ بالتفكير بهدف ومكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الجديد، وظلّ بعضها الآخر مختبأً خلف إصبعه ونظر إلى القمة على أنها المكان المناسب "لتصويب" الوضع في سورية، ربما لأن هؤلاء يدركون معنى انسحاب الولايات المتحدة من سورية، في هذا الوقت بالذات وكلفته الكبيرة على موقف واشنطن في الشرق الأوسط. أو ربما لأن أكثر المتشائمين في المجتمع السياسي الدولي لم يكون يتوقع هزيمة كهذه للولايات المتحدة، فصورتها في أذهان الجميع، عدوها وصديقها، "أمريكا أكبر من أن تخسر"، حسب كل المقاييس التقليدية للقوة.

لم تختلف كثيراً وجهات النظر التي سبقت القمة، عما لحقها، فمازال الغموض يكتنف الرؤية الأمريكية، ووضع قواتها في سورية، وإلى متى ستحافظ على وجودها هناك، وما هي الصفقات التي ستعقد وأي ثمن يطلبه ترامب لقاء سحب هذه القوات، وهل هنالك من سيدفع؟

لا يقتصر القلق على مراكز الأبحاث، إذ لا يشعر أي من حلفاء أمريكا في الإقليم بالاطمئنان حيال سياسات إدارة ترامب في سورية على وجه الخصوص، حتى أن بعضهم بات ينحو بسياساته نحو روسيا بغية تحقيق أدنى حد من المصالح مقابل كل ما خسروه خلال أعوام الأزمة من دعم مادي ومعنوي للمسلحين في مختلف المناطق السورية. أضف إلى ذلك أن كلاً من حلفاء واشنطن واقع في مأزقه الخاص في سورية. تركيا تريد صفقات في الشمال، وترعبها فكرة توجه الجيش العربي السوري إلى إدلب، حيث قامت تركيا بتجميع عدد هائل من الإرهابيين، جاهزين ومستعدين للدخول إلى العمق التركي متى شعروا بدنو التهديد منهم. وليست إسرائيل في حال أفضل، فالجيش السوري في الجنوب يحقق الانتصار تلو الآخر ويقترب من الحدود بخطىً واثقة، ولا تنفع الكيان المحتل ادعاءات بوجودٍ إيراني أو قوات مؤيدة أو مدعومة من إيران، ترامب ذاته لم يعد يستجيب لمطالبات إسرائيل بهذا الخصوص. أما الأردن الذي ربما يكون الحلقة الأضعف في المنطقة، فقد بات يأمل أن ينهي الجيش السوري الاضطرابات ويعيد الأمن والهدوء للمناطق الحدودية لكي يُعاد فتح المعابر، عسى أن ينتعش الاقتصاد الأردني المأزوم.

تعاني المناطق التي مازالت خارج سيطرة الحكومة السورية، وترزح تحت إدارة كردية أو تركية أو حتى إرهابية، وتفشل هذه الأطراف بتطبيق حتى الحد الأدنى من الإدارة الذي يضمن لمدنيي تلك المناطق أضعف الإيمان من الحقوق والخدمات الأساسية. تتصدر منبج وإدلب قائمة هذه المناطق، ولا تختلف عنها الرقة إلا بكونها وقعت تحت سيطرة "قسد"، بعد أن تعرضت لضربات شنها التحالف الدولي بقيادة أمريكا مخالفة للقانون الدولي الإنساني إذ إنها لم تأخذ حماية المدنيين والتقليل من المخاطر المحدقة بهم بعين الاعتبار، وذلك بحسب منظمة العفو الدولية.


ولا تتصف تقارير هذه المنظمة دائماً بالموضوعية إذ أنها لا تتعامل في الغالب بحيادية، وربما يأتي تقريرها عن الرقة بسياق "رفع العتب"، أو التظاهر بالنزاهة، والغالب هنا أن جرائم التحالف أكبر بكثير من أن يتم التعتيم عليها بشكل كامل.

يأتي عدد تموز/يوليو 2018 من تقرير «سورية في عيون مراكز الدراسات العالمية» مقسماً على أربعة محاور:محور سياسي أول: تعرض مقالاته إلى ما كان يدور في أروقة مراكز الأبحاث الأمريكية قبيل قمة هلسنكي، وما تبعها من تحليلات. ويظهر فيه التعارض بين من يرى أن الولايات المتحدة فشلت في سورية وقضي الأمر، ومن يرى في القمة سبيلاً للتفاوض وإيجاد المخارج.

محور سياسي ثان: يتصدى إلى موضوع حلفاء الولايات المتحدة في الإقليم (تركيا، إسرائيل والأردن)، وقلقهم الشديد حيال تراجع الموقف الأمريكي في المنطقة أمام النفوذ الروسي، وخوفهم على مصالح دفعوا ثمنها غالياً طوال أعوام الأزمة.

محور إنساني: يتحدث عن أزمات المناطق التي مازالت –مؤقتاً- خارج سيطرة الدولة، فيتناول حال نساء إدلب في مواجهة التطرف والتنظيمات الإرهابية التي تسيطر أذرعها على مؤسسات الحكم والمرافق الخدمية. كما يتناول متابعة منظمة العفو الدولية لتقريرها الذي جرى الحديث عنه في العدد الماضي، وتأكيد على استمرار التحالف بتغطية جرائمه في الرقة.

أما المحور الأخير فهو عن إعادة الإعمار: ويتضمن مقالاً حول حلب، المدينة التاريخية الساحرة التي لم تتوان يد الإرهاب عن تخريبها، وكيف تُعد إعادة إعمارها ضرورة وحاجة ملحة على الصعيدين الثقافي-الحضاري والإنساني.

 

الجمل: بالإتفاق مع  مداد