آخر المواضيع المتعلقة

ثقافة

أخبار

لبنان

دمشق

طرطوس

بيروت

القنيطرة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

نجاح العبد الله .. المعمدة بالحزن !

مابين الصرخة الأولى ، وهمهمات بضع نسوة في غرفة ضيقة ، وبين الشهقة الأخيرة ودموع حشد كبير من الأصدقاء والأحبة ، في فسحة أوسع من حدود الوطن مشوار طويل .. طفلة غادرت مقعد الدراسة ، وهي في الصف الرابع الابتدائي .. طفلة اقتيدت إلى بيت الطاعة ، وأصبحت زوجة في الرابعة عشرة من العمر ، نعم في الرابعة عشرة أيضاً غدت أماُ وفي السن ذاتها كان الطلاق .

وفي ريعان الصبا ، في السادسة عشرة من العمر ، تنخرط نجاح في معمعة الحياة ، عاملة في معمل  ( الريجي ) بمدينة حماه .. لقمة عيش ، وطموح وتمرد وعشق ، وحكايا تختبئ في ثنايا الصدر .. وطريق موشح بالضنا والخوف والقلق ، وبإغفاءات قليلة على حافة المجهول .

كان والدها العسكري ينتقل من مكان إلى آخر في أرجاء البلاد ، وهاهي ذي نجاح تحمل ابنها الصغير وتسير مع عائلتها في ترحال طويل ، من طرطوس إلى الغاب ، ثم القنيطرة وقطنا وأخيراً دمشق ، حيث تبدأ العائلة بالاستقرار تدريجياً .

ومرة أخرى عاملة في ( ريجي دمشق ) . وهنا في هذا المكان سمعت لأول مرة في حياتها شيئاً ما عن المسرح .. وتقدمت مع بعض الزميلات في المعمل إلى لجنة القبول في الفرقة المسرحية .. وتقول نجاح في ذلك : شخصياً لم أعرف سبب تقدمي لهذه الفرقة يوماً ، إذ دفعتني إحدى الزميلات إلى ذلك ، فوجئت بأني نجحت ، ولكن المفاجأة الأكبر هي أني أحببت هذا المكان الساحر الذي يُسمى المسرح .

ويكون تأسيس المسرح العمالي في أوائل السبعينيات ، وتكون نجاح في أوائل انطلاقته ، وتكون نجمته في عروض كثيرة ، على مدى سنوات .. وخلال ذلك أخذت نجاح تقرأ ، وتقرأ ، وتلتهم الكتب : قصة ورواية ومسرحاً وشعراً ، للتعويض عما فات ، وكي تصقل ملكاتها لمستقبل فارد لها جناحيه .. وكان لها في المسرح الفلسطيني أيضاً بصمات يذكرها جيداً من عاش المسرح آنذاك .

في أوائل الثمانينيات تعرفت على نجاح عن قرب ، نجاح الفنانة الموهوبة والإنسانة الرائعة .. وتعمقت علاقتنا مع الأيام ، وربما كان في أحد أسباب ذلك أننا وإياها من مدينة واحدة هي  حماه ، ومن الحي ذاته .

في صيف 1985 ، كنت أعمل مع المخرج السينمائي الراحل محمد شاهين ، بصفة مخرج مساعد في فيلم ( الشمس في يوم غائم ) ، المأخوذ عن رواية بالاسم ذاته للكاتب الروائي الكبير حنا مينه . اقترحت في ذلك الحين على شاهين اسم نجاح العبد الله ضمن قائمة الممثلين المرشحين للعمل في الفيلم .. وتعرف عليها شاهين في المؤسسة العامة للسينما ، وبعد أن غادرت ابتسم ابتسامة مقتضبة وقال لي : ( نعم .. إنها هي ) .. وكانت مساحة دورها لا تتجاوز بضعة مشاهد .. ولكنها نجاح .. نجاح التي أعطت الدور جزءاً من روحها الغنية ’، فكان الدور على صغره علامة مميزة في الفيلم .

وتتابع نجاح مسيرتها الفنية في المسرح والسينما والتلفزيون .. وتنجح وتتألق ، وتشارك في العديد من المهرجانات المحلية والعربية ، وتنجح في كسب محبة ملايين المشاهدين العرب وتقديرهم .. ولأنها كانت عاشقة لفنها ، تجلى العشق فناً رائعاً وأصيلاً وباقياًَ .

في عام 1989 ، تعاونت مرة أخرى مع نجاح في فيلمي ( الطحالب ) .. ولعبت فيه دور الأخت الكبرى ، والأم الرؤوم للإخوة الذين يتصارعون على الميراث .. وينتهي الصراع بمصرع اثنين من إخوتها .. وتكون الفاجعة ، ويكون صوت نجاح المفجوع ، الذي مازال في البال حتى اليوم .

وفي صيف عام 1996 ، اقترحت عليا غير متردد دور ( أم عزمي ) الأم الفلسطينية النازحة مع عائلتها إلى حماه بعد النكبة ، ودون تردد قبلت نجاح الدور رغم أنه عبارة عن مشهدين فقط .. قبلت لأنها وجدت فيه ذاتها ، وجدت فيه تجليات ألم دفين ، ألم النزوح الفلسطيني ممزوجاً بألم غربتها الداخلية .. وكان الدور بمشهديه شاهداً على غنى موهبتها ، وقدرتها اللامتناهية على العطاء ، وعلى أنها قامة فنية راسخة في فنها العظيم ، فن الممثل .. وأعتقد أن جميع من شاهد ( الترحال ) يذكر جيداً مشهد العاصفة ، وسقوط الخيمة الفلسطينية ، خيمة العرب ، خيمة أم عزمي ، ولابد أن يشهد كم كانت كبيرة هذه الممثلة .

وبعد سنوات طوال من العمل ، كان بعض الأصدقاء المقربين يسألونها : من أين لك كل هذا الحزن يانجاح ؟ .. وفي الجواب يفرش الحزن خيامه في ساحة العينين ، وفي الابتسامة التي قلما ترتسم بخجل في الضحكة التي نادراً ما كانت تنفلت من عقالها .

وفي لقاءاتنا المتباعدة كنت أتساءل أحياناً بيني وبين نفسي : يا إلهي .. هل يمكن للحزن أن يكون مغلفاً بالحزن إلى هذه الدرجة كما في نجاح ؟!

في أواخر التسعينيات بدأت بكتابة مسلسلي التلفزيون الجديد ( أم هاشم ) وخلال أشهر الكتابة لم تغادر نجاح مخيلتي ، وكانت تتحرك على الورق أمامي مخترقة بقوة هائلة كل الصعوبات التي تعترض طريق وصولها إلى ابنها الشهيد الحي في جنوب لبنان .

وفي صيف 2002  ، عندما بدأت التحضيرات للمسلسل ، لم أطلب من مخرج العمل الصديق عبد المسيح نعمة سوى طلب واحد : نجاح العبد الله هي البطلة .. وكان ذلك .. طبعاً برضا المخرج وترحيبه .. وفي أوائل آب بدأ تصوير المسلسل في بيروت .. وبعد ثلاثة أيام من التصوير فقط ، حملت نجاح إلى دمشق إثر وهن جسدي ألم بها .. وبدأت معركتها الفاصلة مع المرض إلى أن كانت النهاية التي تخزن الصخر في 13/1 2003 .

قبل ذلك ، وبعد مشوار متعب طويل ، استطاعت نجاح أن تمتلك بيتاً صغيراً لا تتجاوز مساحته السبعين متراً ، وذلك في بلدة ( زملكا ) القريبة من دمشق .. وعلى مدى خمس سنوات لم يكتمل البيت تمامأً ، ولم يصبح مهياً للسكن ، ولكنها جهزت ما يمكن تجهيزه فيه ، ودعت الأهل والأصحاب في عيد الأضى إلى حفلة التدشين . وضحكت نجاح ، ربما كما لم تضحك من قبل وقالت : ( وأخيراً هذا هو بيت العمر ) .. وكانت الضحكة الأخيرة ، ورحلت نجاح ، والبيت لم يكتمل بعد

 

ريمون بطرس

النور