العنف الجنسي في الحروب

الجمل:   نشر المحقق الصحفي تيم لارج  على موقع أليرتنيت، تعليقاً حمل عنوان (تسليط الضوء على عدوى العنف الجنسي في الحرب).
يقول تيم لارج: كانت فرانسواز في بدايات فترة الصبا والمراهقة عندما قام مسلحون روانديون بأخذها إلى منزلها في إحدى قرى شرق الكونغو (زائير). وكان الرجال المسلحون من ميليشيات متطرفي الهوتو الذين لعبوا دوراً كبيراً عام 1994 في مذابح رواندا الشهيرة، ثم تواروا عن الأنظار هرباً في الأدغال الكونغولية.
تقول فرانسواز عن ما تعرضت له: (نزعوا عني ملابسي، وعندما يمسكني واحد منهم بأيديه القوية، كان آخر يقوم باغتصابي، ثم بعد ذلك يتبادلون الدور..)، وأضافت قائلة: (قلت لهم: الآن بعد أن قمتم باغتصابي، هل بإمكاني أن أذهب؟ فقالوا لي: لا، وإذا بقيت تلحين في طلب ذلك سوف نقتلك).
يقول تيم لارج بأن تجربة فرانسواز تمثل واحدة من عدد لا يحصى من أعمال العنف الجنسي المتزايد في الحرب، والتي سلط الضوء عليها كتاب (عار الحرب) الذي قام بنشره مكتب خدمات إعلام الأمم المتحدة (IRIN).
تقول المعلومات الميدانية بأن العنف الجنسي ضد النساء والفتيات أصبح يحدث بوتائر متسارعة ومتصاعدة في شتى بقاع العالم. إضافة إلى أن عدواه أصبحت واسعة الانتشار.
تقول ياكين إيرتورك، مراسلة الأمم المتحدة الخاصة بظاهرة العنف ضد النساء: (إن قسوة وفظاعة ووحشية الاعتداءات الجنسية التي تسربت أخبارها من الكونغو، العراق، كمبوديا، السودان، البلقان، سيراليون.. وغيرها، هي قسوة ووحشية تكسر قلب كل من تتطرق أذنه لسماعها، وبصره لرؤية صورها..). وأضافت قائلة: (الفتيات والنساء، كباراً وصغاراً، يتم اقتناصهن وافتراسهن بواسطة الجنود، الميليشيات، ورجال الشرطة، وغيرهم من المسلحين، ويزداد الأمر سوءاً عندما تصبح أطراف الصراع غير قادرة على بسط حمايتها للسكان المدنيين).
قامت الأمم المتحدة بدراسة ظاهرة الاعتداءات الجنسية في مناطق الحرب، وقد ظهرت الأرقام المفزعة الآتية:
- 90،8% من نساء ليبيريا تعرضن للاغتصاب، ولم يكن المغتصبون يميزون بين الكبيرة والصغيرة.
- 50% من اللاتي تعرضن للاغتصاب في الكونغو، والبوسنة، وكمبوديا تقل أعمارهن عن 12 عاماً.
كذلك أشار تقرير الأمم المتحدة إلى أن حالات الاغتصاب لا تكون حصراً في مناطق القتال، بل وفي معسكرات اللاجئين التي تشرف عليها الأمم المتحدة، وفي أحد المعسكرات تبين أن 75% من النساء الموجودات في المعسكر تعرضن للاغتصاب خلال فترة الإقامة في المعسكر.
وكشفت التقارير أيضاً عن أن جنود بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة متورطون في الكثير من جرائم الاغتصاب والعنف ضد المرأة. وهناك العديد من الاحتجاجات التي تقدم بها السكان المحليون من مختلف البلدان ضد جنود الأمم المتحدة.
اعتبر بعض الباحثين أن الأمم المتحدة نفسها تتحمل الجزء الكبير من المسؤولية، فمثلاُ يمارس مسؤولو الأمم المتحدة تقصيراً كبيراً في المعسكرات وتوفير الحياة الآمنة للاجئين، وحوالي 98% من النساء المقيمات في معسكرات الأمم المتحدة، واللاتي تعرضن للاغتصاب، كان ذلك بسبب خروجهن من المعسكر بحثاً عن الطعام أو لجمع الحطب الضروري لإشعال النار.
كذلك يذهب بعض الباحثين الاجتماعيين إلى أن عدم اهتمام الأمم المتحدة بتوفير الحد الأدنى المطلوب من المعيشة في معسكرات اللاجئين، قد أدى إلى تحويل هذه المعسكرات إلى بؤر موبوءة بالدعارة وتجارة الممنوعات.
جرائم العنف ضد المرأة في مناطق النزاعات لم تنحصر فقد في عمليات الاغتصاب الجنسي، بل تعدى الأمر ذلك إلى ارتكاب فظائع أكثر وحشية، ففي كمبوديا والكونغو ومنطقة البلقان كان يتم قتل الفتيات المغتصبات بعد اغتصابهن، بحيث يتم بعد ذلك تقطيع أجسادهن وأخذ الكلى، وبعض الأجزاء الأخرى، من أجل بيعها لبعض بنوك الأعضاء البشرية، وعلى سبيل المثال يتم بيع الكليتين لبعض هذه البنوك بمبلغ 20 ألف دولار.. وقد تبين أن هناك الكثير من العصابات المختصة بتجارة الأعضاء الإنسانية تنسق مع بارونات الحرب في هذه التجارة الرائجة الوافرة الثراء.. وفي ليبيريا وحدها تم العثور على 250 ألف جثة ناقصة الأعضاء.
وقد تطورت ظاهرة العنف الجنسي ضد المرأة، وأصبحت تأخذ طابعاً عاماً في بعض المناطق.. وفي مناطق البوسنة والبلقان استمرت هذه الظاهرة برغم انتهاء الحرب، وظلت عمليات خطف الفتيات والاتجار بأجسادهن مستمرة على قدم وساق.. كذلك ظلت عمليات خطف الأطفال –ذكوراً وإناثاً- وقتلهم وسرقة بعض الأعضاء من أجسادهم وتبريدها وتجميدها، ثم تهريبها بنقلها –تماماً مثل لحوم الأبقار- عن طريق بعض البرادات الخاصة إلى غرب أوروبا وأمريكا، بحيث تتولى بعض العصابات توزيعها إلى الزبائن في بنوك الأعضاء، ومشافي زراعة الأعضاء البشرية.
وعموماً نقول: إن الإطار القانوني الذي يحاول خبراء الأمم المتحدة وضعه للسيطرة على جرائم الحرب هو أمر غير ممكن، وذلك لأنه ببساطة يقوم على فكرة مثالية سخيفة للغاية، وهي أن تكون الأمم المتحدة مثل حكم المباراة الذي يراقب تحركات اللاعبين ويعاقبهم على اللعب الخشن، وهو أمر لا يمكن أن يحدث في الحرب، لأنه لا يمكن أن يتم وضع قانون يؤدي إلى وجود (حرب نظيفة) لأن الحرب معناها القتل، ولا يمكن أن تسكت الأمم المتحدة عن القتل، وتمنع الاغتصاب، خاصة وأن الاغتصاب في مناطق الحروب يمثل جريمة سببها الحرب وتداعياتها السالبة على سلوك الإنسان، كذلك توجد الكثير من دول العالم التي لا تعترف بجريمة الاغتصاب، وفي إحصائية أعدتها الأمم المتحدة هناك 104 دول من إجمالي دول العالم البالغ عددها 192 تعتبر قوانينها الاغتصاب جريمة، والـ88 دولة المتبقية، لا تعتبر الاغتصاب جريمة، بل تعامله القوانين مثل مثل (المخالفات المرورية).
وبرغم ذلك نقول: يمثل الاغتصاب جريمة وحشية، والقضاء على عنف الحروب المولد للاغتصاب والعنف ضد المرأة، يتم فقط بالقضاء على خطر الحرب، لأنه الخطر الحقيقي الذي يهدد حياة الإنسان –رجلاً كان أم امرأة-.


الجمل: قسم الدراسات والترجمة