اتفاق أميركي- تركي لاحتلال سورية

بقلم: روبرت فانتينا - ترجمة وصال صالح

في الوقت الذي تحرز فيه الدولة السورية بمساعدة الحليفين الروسي والإيراني تقدماً  من خلال تحريرها للكثيرمن المناطق التي كانت تحت سيطرة الجماعات الإرهابية المدعومة من الخارج، تسعى الولايات المتحدة لإيجاد طرقاً بديلة للحفاظ على وجودها الخاص هناك، مع توارد أنباء غير سارة للولايات المتحدة عن هزيمة الجماعات المسلحة، التي تعتبر أسلحة وأودوات تعتمد عليها، وقد فعلت ذلك لسنوات. لذلك يدور الحديث عن التوصل إلى اتفاق بين الحكومتين الأميركية والتركية، بما يضفي بعض مظاهر الشرعية لاستمرار الوجود الأميركي في سورية،.اتفاق أميركي- تركي لاحتلال سورية

يًشار إلى أن تركيا ،كما الولايات المتحدة،  تسعى إلى  تهجير الأكراد  من مناطق سورية، مثل عفرين، وهي المناطق التي تمكن الأكراد من السيطرة عليها  بعد  هزيمته لتنظيم داعش. وكانت إحدى وسائل الأخبارالروسية قد أفادت أن القوات التركية والأميركية ستحتلان هذه المنطقة من سورية، حالما يتم  طرد الأكراد، وأن تركيا ستكون ممثلة في عفرين بما يسمى الجيش السوري  الحر، وهي مجموعة إرهابية ممولة من الغرب كانت قد أنشئت بهدف وحيد للإطاحة بالحكومة المنتخبة شرعياً للرئيس بشار الأسد. وإذا  ما تمكنت الولايات المتحدة وتركيا من السيطرة على عفرين،  فإنها ستصبح مركزاً  للنشاط الإرهابي في سورية.

إنه لأمر  محير  كيف يمكن لدولتين  التوصل إلى أي نوع من الاتفاق لاحتلال جزئي لدولة أخرى. لا سيما أن الوجود الأميركي في سورية يشكل انتهاكاً لسيادة  الدولة السورية المعترف بها دولياً. كذلك الأمر فيما يتعلق بدعم الولايات المتحدة للجماعات الإرهابية في سورية التي تسعى للإطاحة بتلك الحكومة. الآن يناقش مسؤولون حكوميون  من تركيا وأميركا مسألة تقسيم  سورية كما لو أنها ملكهم وبالطريقة التي يختارونها.

جدير بالذكرأن المتحدث باسم البنتاغون إريك باهون كان قد تحدث بشيء من هذا القبيل في كانون الأول: "نحن ماضون  في الحفاظ  على التزاماتنا على الأرض  طالما نحن بحاجة إلى ذلك، لدعم شركائنا ومنع عودة الجماعات الإرهابية". هذا نموذج لخطاب الأسود-أبيض والأبيض -أسود للمتحدثين  باسم الحكومة الأمريكية. من هم هؤلاء الشركاء الذين يدعمون؟ إنهم يدعمون أولئك، مثل إسرائيل، التي تسعى  لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.  إن أفضل شيء يمكن أن تفعله الولايات المتحدة "لمنع عودة الجماعات الإرهابية"هو إلغاء كافة الدعم الأمريكي لهذه الجماعات وإزالة جميع الجنود الأمريكيين من سورية، مع التأكيد بأن لا يكون لها موطئ قدم هناك مرة أخرى. وبإمكانها أيضا وقف قصف سورية، ووقف كل الجهود الرامية للإطاحة بالحكومة السورية. إن الإجراءات الأميركية في سورية وتجاهها هي أمثلة ونماذج كلاسيكية لأسوأ أنواع الإرهاب.

لطالما قال المتحدثون باسم الحكومة الأميركية  أن  الولايات المتحدة سوف تحافظ على وجود لها في سورية، حتى بعد هزيمة داعش، بذريعة مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة. حتى الآن لم توافق الحكومة السورية بأي شكل من الأشكال  على السماح للولايات المتحدة لأن تكون هناك، اليوم، ولا البقاء  في سورية في أي وقت في المستقبل. ولا يوجد أي سبب منطقي يدعو للاعتقاد بأن الحكومة السورية  ستفعل ذلك في أي وقت، نظراً للدمار والموت والمعاناة التي لا توصف التي تسببت فيها الولايات المتحدة، ولا تزال تتسبب بها، في سورية.

دائماً  وإلى الأبد  ستظل  الولايات المتحدة تخترع فزاعة  النفوذ المتنامي لإيران ، كما لو أن هذا شيء خطير وسلبي لمنطقة الشرق الأوسط والعالم. وهذا الأمر أبعد ما يكون عن الحقيقة. وخلافا للولايات المتحدة، التي تخوض حروباً منذ 225 عاماً من عمر وجودها 242 سنة،  إيران لم تغزو دولة  أخرى منذ عام 1798. بينما على خلاف ذلك   الولايات المتحدة غزت أو بطريقة أخرى زعزعت استقرار عدداً  من الدول في منطقة الشرق الأوسط، وهي حالياً في حالة حرب مع أفغانستان، ولا يزال لديها قوات في العراق، الذي غزته واحتلته في مطلع الألفية الحالية، مدمرة البنية التحتية، ومبشرة هذا البلد بأنه على حافة الحرب الأهلية، وقتلت على الأقل مليوني شخص. الولايات المتحدة  قصفت حالياً على الأقل سبعة بلدان.  وما من مكان أو أمة  على هذا الكوكب  تريد الوقوع تحت "تأثير" ونفوذ الولايات المتحدة.

إليكم قائمة جزئية  بأسماء الدول المستقلة  التي وقعت ضحية عنف الولايات المتحدة: سورية، إيران، غواتيمالا، التبت، إندونيسيا، كوبا، جمهورية الكونغو الديمقراطية،  فيتنام الجنوبية، البرازيل، غانا، شيلي، أفغانستان، تركيا، بولندا، نيكاراغوا، كمبوديا، أنغولا ، فيليبين، العراق، فنزويلا، فلسطين، الصومال، وليبيا. يرجى الملاحظة أن هذه القائمة ليست كاملة،  وإنما تشمل الدول التي تعرضت للعدوان الأمريكي منذ عام 1949حتى الوقت الحاضر، والعديد من البلدان المذكورة في هذه القائمة  استهدفت  مرات عديدة من قبل الولايات المتحدة منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

لنقارن وعلى النقيض من ذلك سجل  إيران، الأمه التي دافعت بنجاح عن نفسها  من أعدائها، والتي تساعد حلفائها، كما تفعل في سورية اليوم. إيران لا تملك قواعد عسكرية في جميع أنحاء العالم ؛ بينما تملك  الولايات المتحدة  قرابة ال 1,000 قاعدة عسكرية، في كثير من الأحيان في البلدان حيث الناس لا يريدونهم. أميركا تستخدم جيشها  وأجهزة استخباراتها لإحباط الانتخابات الحرة؛ والتحريض على التمرد؛ للإطاحة بالحكومات وتجلب الموت والمعاناة أينما حلت، بما في ذلك داخل حدودها الخاصة. إضافة إلى أن  ازدرائها للقانون الدولي لا يمكن مقارنته  بأي دولة أخرى، باستثناء إسرائيل.

مجدداً يؤكد  المتحدث باسم البنتاغون المشار إليه أعلاه، بشكل لا يصدق ويدعو للسخرية، أن الولايات المتحدة تساعد حلفائها في قتال داعش.
بالطبع لا يمكن إنكار بأي حال من الأحوال الدعم الأميركي لتنظيم  داعش وغيره من الجماعات الإرهابية بالأسلحة والتدريب والأدلة على ذلك  لا حصر لها.  يضاف إلى ذلك أن هؤلاء يحصلون على المساعدة من إسرائيل. إن استخدام أميركا لذريعة قتال داعش كسبب للبقاء في سورية، بما يتعارض مع رغبات الحكومة السورية، ذات السيادة  ما هو إلا كذبة وقحة.

ما الذي ستفعله الحكومة الأميركية بعد ذلك،  سواء على الصعيد المحلي أو على الساحة الدولية، غير معروف. بينما لا يلقى دونالد ترامب المتقلب والذي لا يمكن التنبؤ بطقسه إلا القليل من الإدانة، إنه يؤمن بالتفوق الأمريكي في جميع المجالات؛ والحاجة لاستخدام القوة العنيفة.  يبدو أنه يعتقد أن الثروة والسلطة أفضل من "الفضائل' الأخرى كالعدالة والمساواة، كما يتضح ذلك من دعم بلده الكامل الذي لا هوادة فيه لنظام الفصل العنصري في إسرائيل. مفاهيم حقوق الإنسان والقانون الدولي لا أهمية لها، بسبب اعتقاده بأن الطريقة الأميركية متفوقة على كل بديل.

بينما تشهد اقتصادات الصين، الهند وغيرها من الدول نمواً، بما في ذلك استمرار تزايد القوة العسكرية لإيران،  ونفوذها في جميع أنحاء العالم، تجد أميركا نفسها في حالة تراجع من حيث موقعها كقوة عالمية. وهذا الأمر خطيرللغاية، كحيوان جريح يعرف أنه ضعيف، وتبعا لذلك يمكن أن يجلد ويضرب أي شيء قريب منه. إضافة إلى وجود  رئيس غير مؤهل، عنيف، ومغرور،  فإن شكل الكارثة الدولية وحجمها سيكون كبيراً.

 

عن: American Herald Tribune

روبرت فانتينا:  كاتب وناشط سلام، لديه العديد من المؤلفات والكتب مثل الإمبراطورية، العنصرية والإبادة الجماعية: تاريخ السياسة الخارجية الأميركية ومقالات عن فلسطين.
 

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.