لماذا لا يجيد الاقتصاديون مخاطبة العامة؟

 

قال «فيليب هاموند» وزير الخزانة البريطاني، في سياق خطابه عن الموازنة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي:

إن هذا الجزء يحتوي على مصطلحات اقتصادية عصية على الفهم.

من الصعب تخيل «ستيفن هوكينج» أو «برايان كوكس» يقولان: إن هذا الجزء يحتوي على مصطلحات علمية عصية على الفهم، رغم أن الاقتصاديين يتحملون نفس المسؤولية التي يتحملها العلماء، فكونهم خبراء في مجالهم يضع على عاتقهم مسؤولية شرح المعلومات المعقدة بطريقة يفهمها العامة ويستسيغونها، حتى يمكن للعامة الانخراط في العملية الديمقراطية، إذ إن المسائل الاجتماعية والسياسية غالبًا ما توضع في إطار تأثيراتها على الاقتصاد، وهو الإطار الذي يساعد على اتخاذ القرار في أمور مثل الانتخابات والاستفتاءات وصناعة السياسات.

وفي الوقت الذي يوجد فيه علماء قادرون على تبليغ رسالتهم إلى الناس بأسلوب واضح، يفتقر الاقتصاديون إلى هذه القدرة. إذن، أين تكمن المشكلة في مجال الاقتصاد؟

لا يتمتع الاقتصاديون بسمعة جيدة فيما يخص المهارات الاجتماعية، إذ أظهرت الأبحاث أنهم يفتقرون إلى التواصل الجيد بوجه خاص، فقد أظهرت دراسة حديثة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر أن الاقتصاديين هم أقل من يشتركون في محادثة عامة بالمقارنة بمن ينتمون لمهن أخرى، فالاقتصاديون لا يتمتعون بالقدرة على رواية قصص مثيرة مثل العلماء، فهم يتحدثون بلهجة باردة وجافة ومليئة بالمصطلحات الفنية في أغلب الوقت، وهذا بلا شك يؤدي إلى نفور العامة عن الاستماع إليهم.

وفي استطلاع أجرته مؤسسة «ريثينكينج إيكونوميكس – Rethinking Economics»، وُجد أن 60% من البالغين في المملكة المتحدة غير قادرين على تعريف «الناتج المحلي الإجمالي»، وأن 70% منهم لا يعرفون ما هو «التيسير الكمي»، كما أظهر استقصاء أجرته «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» أن 38% فقط من الشعب البريطاني يفهم معنى «التضخم».

وقال «آندي هيلدين»، كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني)، إن العامة نادرًا ما يثقون في مجال علمي أو في المتخصصين فيه إذا كانوا لا يفهمون المادة العلمية التي يتناولها هذا المجال. وانعكس ذلك في استقصاء حديث أظهر أن 82% من العامة يثقون في الأطباء، و71% منهم يثقون في العلماء، بينما يثق 25% منهم فقط في الاقتصاديين، فيما يشعر 4% فقط من الشعب البريطاني بأن المعلومات التي يتلقونها في نشرات الأخبار حول الاقتصاد «موثوق فيها وصادقة بالكامل».

وأظهر موقع «إيكونومي – Economy»، المختص بحملات التوعية الاقتصادية، أن 12% فقط من العامة يثقون في الطريقة التي يقدم بها الاقتصاد في وسائل الإعلام وعلى ألسنة السياسيين، ومن ناحية أخرى، كان الاقتصاديون هم الفئة الأكثر فقدانًا لثقة الناس فيما يخص استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست» من بين فئات المتخصصين المختلفة، إذ صرح 14% فقط من المصوتين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي أنهم يثقون في الاقتصاديين، ولكن، في نفس الوقت، من الواضح أن الناس يريدون فهم الاقتصاد، إذ أقر أربعة من كل خمسة أشخاص أن الاقتصاد مهم لأنشطة حياتهم اليومية.

يمكن لهذا «العجز المزدوج»، الذي يتمثل في فقدان ثقة الناس في علم الاقتصاد وعجزهم عن فهمه، أن يؤدي إلى تداعيات ضخمة على صناعة السياسات والديمقراطية ككل، فإذا لم يثق العامة في البيانات الاقتصادية المقدمة لهم أو يفهموها، فلن تكون لهم القدرة على الانخراط الحيوي مع السياسات التي تؤثر على حياتهم اليومية.

ما الحل الذي يمكن أن يسد الفجوة بين العامة والمتخصصين؟ تكمن الإجابة في ضرورة أن يكون للمتخصصين قدرة أفضل على التواصل، ولكي يتم ذلك، يجب أن يتعلم اقتصاديو المستقبل -طلاب أقسام الاقتصاد في الجامعة- طرق التواصل كجزء من مناهجهم الجامعية.

أنتجت مؤسسة «ريثينكينج إيكونوميكس» مواد تعليمية لتستفيد منها الجامعات إذا أرادت أن تغير مناهجها التعليمية في مجال الاقتصاد، كما تدعو المؤسسة، بالشراكة مع موقع «إيكونومي» الذي يعمل على تيسير علم الاقتصاد للعامة، أقسام الاقتصاد في الجامعات إلى إدراج مهارات التواصل -مثل أساليب عرض المعلومات والتحدث أمام الجمهور- كجزء من مناهجها الدراسية.

لن يكون هذا الإجراء وحده كافيًا، ولكنه سيكون أمرًا بالغ الأهمية لإعادة بناء الثقة في الاقتصاد والاقتصاديين.

إضاءات

 

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.