هل في الديتوكس والابتعاد من اللحم خير لنا؟

 

"هو نظام يساعد في السمو الروحي".

"عندما اتبعت هذه الحمية شعرت للمرة الأولى بأن جسدي أصبح أكثر خفة".

"لقد عاد بي الزمن إلى الوراء وأصبحت أصغر سنّاً".

هذه تعليقات بعض من اتبعوا الحمية النباتية بالكامل أو Plant Based Diet.

حول العالم يختار أشخاص البعد من اللحوم والدواجن والأسماك؛ قد يكون السبب الرفق بالحيوان، أو الحفاظ على البيئة، أو السعي إلى حياة صحية.

يبدو هذا نهجاً غريباً، وربما متطرفاً في مقابلة التطرف الموجود على الجانب الآخر، والذي تمثله الوجبات السريعة وثقافة الاستهلاك والاستسلام لما تقدمه السوق، مع العلم بتأثيره الضار في الصحة في الأمدين القريب والبعيد.

بداية، هناك أكثر من حمية يمكن نعتها بالنباتية، فكلمة نباتي يمكن أن تعني، Vegan والنباتيون يرفضون استغلال الحيوانات بشكل عام، ويعتمدون فقط على الأطعمة النباتية، ولا يتناولون اللحوم ولا الدواجن ولا الأسماك ومنتجاتها من البيض والألبان؛ وكذلك لا يشترون الجلد الطبيعي المأخوذ منها.

أما Plant Based Diet، والتي سنتحدث عنها في هذا المقال، فتزيد على ذلك بأنها تتطلب التحكم في السعرات والدهون والسكريات والملح والمكونات المصنعة وتقوم بشكل أساسي على الحبوب الكاملة.

بين الإتاحة والحرمان

تقول خديجة (38 سنة): "لا أحب أن أسميها حمية، أرى أنها أسلوب حياة لأنها مختلفة تماماً عن أي حمية اتبعتها من قبل. فليس فيها جوع، ولا تتطلب مجهوداً أو دفع مبالغ مالية في زيارات متكررة إلى الطبيب".

وتضيف أن أهم دافع إلى التحول نحو هذا النظام، كان بعد أن قرأت عن طريقة علف الحيوانات والدواجن وطرائق تصنيع المنتجات الحيوانية واللحوم بشكل عام، ما شكل لديها قناعة تامة بأن اللحوم ومنتجاتها حتماً ضارة في هذا العصر.

وعلى عكس ما قد يتبادر إلى الذهن، تقول خديجة أنها على الرغم من التوقف عن شرب المنبهات، إلا أنها أصبحت تنام لساعات أقل وتستيقظ منتبهة؛ وكذلك قلت عصبيتها وزال الاكتئاب والمزاج السيئ.

يؤكد محمد، فيقول: "تساعد هذه الحمية عموماً في السيطرة على شهوات النفس المختلفة، وضبط النوم". ويضيف أن هذه الحمية الوحيدة التي استطاع معها خفض الوزن بعد ما اتبع أنظمة غذائية كثيرة جعلت جسده يبدي مقاومة لإنقاص الوزن.

ما لها...

تتميز هذه الحمية بأنها غنية بالألياف والفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة، وتشير الأبحاث إلى أنها تقلل خطر الإصابة بأمراض القلب وضغط الدم والسكري وأمراض الجهاز الهضمي والقولون وسرطان الثدي والسمنة.

تقول د. غادة إبراهيم، مختصّة في التغذية: "تعد هذه الحمية مفيدة جداً للجسم من حيث خفض الوزن وتقليل الدهون المشبعة والكوليسترول، كما أنها مناسبة للأطفال، ولكن مع الملاحظة الدقيقة للاحتياجات الغذائية للفئة العمرية؛ لاستيفاء العناصر الأساسية من بروتينات وفيتامينات وأملاح".

وتحتوي كذلك على كمية كبيرة من الخضروات والفواكه التي تساعد في الوقاية من الأمراض المزمنة، والألياف والبوتاسيوم للوقاية من أمراض القلب، واستبدال النشويات المكررة بالحبوب الكاملة لدرء خطر السكري؛ وأخيراً تساهم المواد الكيماوية النباتية بالوقاية من السرطان.

وفي دراسة أعدّتها جمعية مرض السكري الأميركية (American Diabetes Association)، أوضحت أن نسبة الإصابة بمرض السكري النوع الثاني تزيد من 2.9% عند الأشخاص النباتيين لـ7.6% لغير النباتيين. هذا الفارق يشير إلى قدرة محتملة للحمية النباتية للحماية ضد السمنة والسكري النوع الثاني.

من المهم أن ننتبه إلى أن مجرد الالتزام بالحمية لا يحمي بالضرورة من الأمراض أو يقلل الوزن، ولكن ذلك يعتمد على نوع الأطعمة النباتية وعدد السعرات. فمثلاً الأرز الأبيض والخبز الأبيض من الأطعمة النباتية لكنها ليست صحية؛ لأنها مصنعة، وتبعا لذلك تفتقد مكونات غذائية كثيرة وضرورية لصحة القلب ويمكن أن ترفع السكر في الدم ومن ثم تزيد الجوع والشراهة.


التحديات.

بالنسبة إلى خديجة، فهي تشعر بأن هناك تنوعاً كبيراً ووجود خيارات كثيرة، لكنها واجهت مشكلة في إعداد وجبات خاصّة لها، وأخرى لأبنائها؛ الأمر الذي يستهلك وقتها.

والعقبة الأخرى كانت المطاعم، فقلما يجد من يتبعون هذه الحمية ضالتهم هناك؛ والحل يكون بالطعام النباتي بالكامل وهو اختيار ليس متوافراً بكثرة؛ أو بتغيير مكونات بالاتفاق مع طاقم الخدمة.

تجدر الإشارة إلى أن غياب اللحوم والأسماك ومشتقاتها يؤدي إلى نقص عناصر غذائية مهمة مثل البروتين الضروري للحفاظ على الكتلة العضلية والعظام والجلد؛ لذا ينصح بالتركيز على الأطعمة النباتية الغنية بالبروتين مثل: العدس، الفول، الكينوا، المكسرات ومنتجات الصويا كفول الصويا ولبن الصويا وغيرها. كذلك الكالسيوم والفيتامين "د" الضروريين لعظام صحية، ويمكن أن يستعيض الشخص النباتي بمنتجات نباتية لسد هذا النقص مثل: شرب حليب بديل مثل حليب الصويا أو اللوز؛ إضافة إلى الجمع بين الخضروات الورقية مثل الخس والتي تحتوي على الكالسيوم والأطعمة التي تحتوي على الفيتامين "د" للتأكد من امتصاص الكالسيوم، مثل: عش الغراب والحبوب المعززة؛ مع التعرض المستمر لأشعة الشمس.

من المعادن المهمة كذلك، الزنك وهو ضروري لدعم جهاز المناعة، والحديد للحفاظ على الطاقة والمناعة؛ وتُمكن هنا الاستعاضة بالحبوب الكاملة والفول لتعويض نقص المعدنين.

وتلفت إبراهيم إلى أهمية الفيتامين B12 لإنتاج كريات الدم الحمر، والوقاية من فقر الدم؛ وتنصح من يتبعون حمية نباتية بالإكثار من حبوب الإفطار ومنتجات الصويا لتعويض النقص، أو الاعتماد على مكملات غذائية.

صعوبات التحول

من المسلم به أنه مع وجود منافع صحية وطبية لا يمكن إنكار وجود صعوبات عملية في التطبيق، حيث نجد أحد المعوقات في صعوبة الحصول على مكونات غذائية للنظام النباتي في المتاجر العادية، وكذلك في الإلمام بطريقة إعداد الأطعمة النباتية والتجديد الذي يساعد الإنسان على الاستمرار.

تحدياً آخر يحدث للبعض، وفق ما يقول محمد: "بعد معاودة أكل اللحوم ومنتجاتها بعد الانتظام على حمية نباتية، صادفت مشكلات صحية؛ لذا عدت إلى الحمية النباتية مرة أخرى".

إذا كان التحول لحمية نباتية بالكامل تحدياً كبيراً، فيمكن استبدال الأطعمة المعتادة ببدائلها الأكثر صحية، مثل الأرز الأبيض بالبني، الخبز الأبيض بالخبز المصنع من الحبوب الكاملة؛ والحبوب المصنعة بالشوفان والعصائر بالمياه.

لهذا السبب، تم اعتماد صفحة على موقع فايسبوك دشنها مصريون لهذه الحمية بالتحديد يزورها حوالى 426 ألف معجب للتغلب كمجموعة على العقبات التي غالباً ما قد تواجه من يختار هذه الحمية أسلوباً لحياته.

هكذا، لخصت الصفحة أهم التحديات بشكل ساخر، "إنك تمشي على نظام غذائي نباتي صحي في مصر حاجه مش سهله، من أول أصحابك اللي بيتريقوا عليك، للست والدتك اللي مقتنعة إن الطبخ من غير سمنة أو زيت حرام شرعاً، وإنك لو ماكلتش لحوم هتموت ناقص بروتين، لسوبر ماركيتات مصر اللي مافيهاش أي حاجه صحية تشتريها وأنت مطمئن، لنقص معلومات مش متوفره في معظم الوقت غير بالإنجليزي...عشان كده أنت محتاج مكان فيه ناس نباتيين طيبين زيك، ياخدوا بإيدك ويطبطبوا عليك، ونساعد بعض بالمعلومات ووصفات الأكل، والمنتجات اللي ينفع نستخدمها متوفره فين، ونعيط على كتاف بعض لما البيتزا توحشنا".

الديتوكس.. تخلص من السموم بنفسك

انتشرت فكرة الديتوكس أو تخليص الجسم من السموم؛ الأمر الذي قد أخذ منحًى تجارياً/تسويقياً حول العالم يقر أولاً بحقيقية وجود سموم جديدة في الطعام والهواء والماء، وعليه فالتخلص منها بات أمراً حتمياً.

تشير عملية التخلص من السموم بالأساس إلى طقس طبي يتم عادة في مستشفي للتخلص من مستويات عالية جداً ومهددة للحياة من الكحول أو المخدرات أو السموم.

أما الديتوكس الذي نحن في صدده، فهو ما يتم الترويج له كنظام غذائي يخلص بعض الأعضاء أو الجسد ككل من السموم من طريق التوقف عن بعض الأطعمة أو الأطعمة الصلبة في الأساس؛ لأنه بذلك يعطي فرصة للجهاز الهضمي للشفاء وامتصاص أفضل في المستقبل.

يشرح د.فيرن فارونا المستشار بالتغذية في الولايات المتحدة ومؤلف كتابNature's Cancer-Fighting Foods"هناك ستة مصانع في الجسم مسؤولة عن التخلص من السموم وهي: الكبد، الكلى، الجهاز الهضمي، الجهاز التنفسي، الجهاز الليمفاوي والجلد. فما يحتفظ به الجسم أو يتخلص منه يعتمد على هذه الأعضاء ومخزون الدهون (حيث تتخزّن السموم)؛ والدورة الدموية".

ويضيف أن الطرائق السريعة التي يتوقع بها الناس التخلص من السموم، انتشرت بشكل كبير في السنوات الأخيرة بعد اتباعها من مشاهير ومن خلال شهادات من جربوا وهي شهادات تكون في غالبيتها عاطفية؛ بينما لا توجد دراسات تثبت أن هذه الطرائق تخلص الجسم من السموم.

وفق هذه الحمية، تستبدل الأطعمة الصلبة بالسوائل مثل الماء المضاف إليه الليمون أو الشاي الأخضر وغيرهما، أو عصائر الفواكه الطازجة؛ وقد تسبب أعراضاً مثل الصداع والانتفاخ وآلام المفاصل والجفاف، والإحباط .

فكما أسلفنا، لا يوجد دليل طبي على أن الجهاز الهضمي سيشفى إذا تم تجنب الأطعمة الصلبة، بل على العكس الأطعمة الصلبة مفيدة للجهاز الهضمي من خلال وجود الألياف التي تبطئ من عملية الهضم بعض الشيء لتسمح بامتصاص أفضل للمكونات الغذائية.

إضافة إلى ذلك، إن هذه الحمية لن تحقق فقداناً للوزن الطويل الأجل؛ حيث إن الوزن المفقود ينتج من فقدان الماء ومخزون النشويات؛ وهذا يعني سيعود إلى وزنه الطبيعي حال الانتهاء منها.

وبينما يشير أشخاص إلى الشعور بالطاقة وزيادة في التركيز من خلال تلك الحمية؛ يمكن أن يكون السبب نابعاً من التخلص من الأطعمة المصنعة التي تحتوي على دهون صلبة وسكريات؛ والابتعاد من هذا النوع من الطعام لأيام عدة قد يكون السبب، لأن الكبد والكلى بشكل عام تقوم بالتخلص من السموم بشكل فعال.

ماء الديتوكس

قد يخلط البعض بين نظام الديتوكس وشرب ماء الديتوكس وهو الماء المضاف إليه الليمون أو الشاي الأخضر أو غيرهما من الفواكه والخضروات؛ وهي النسخة الأكثر شهرة في العالم العربي. على أساس أن الماء سيساعد في إنقاص الوزن، والتخلص من السموم، ويحسن الهضم ومناعة الجسم والمزاج ومستوى الطاقة والجلد.

وبما أن شرب الماء بكثرة بالفعل مفيد للجسم، ينصح بشرب 8 أكواب يومياً؛ إلا أن فكرة تسريع وتيرة تخلص الجسم من السموم من طريق شرب ماء الديتوكس فكرة غير صحيحة ولا يوجد كذلك دليل علمي يعضدها؛ غير أن هناك أزمة في المصطلح، فما هي السموم التي نريد التخلص منها وكيف تتم عملية التخلص حال شرب هذه المياه؟

وتبقى غالبية المنافع الصحية عائدة إلى المياه أكثر من الإضافات. هذا لأننا لا نحصل على مكونات غذائية كثيرة من الإضافات ولا تمكن مقارنتها بهذه الإضافات إذا أكلت كثمار.

تقول مها التي تواظب على شرب ماء الديتوكس: "شرب الديتوكس جعلني أعتاد شرب الماء بكثرة لأني أحمله معي أينما ذهبت؛ وهو له نكهة مختلفة ويمكن الاستعاضة به عن العصائر المحفوظة والمياه الغازية".

في كل الأحوال، ينصح دائماً حال الاقتناع بحمية جديدة باستشارة الطبيب؛ خصوصاً حال الإصابة بأحد الأمراض المزمنة أو تعاطي أدوية بشكل دائم. ذلك لأن تغيير النظام الغذائي للإنسان يمكن أن يحدث تغييرات سريعة في الجسم يجب معها ضبط جرعة الدواء (بخاصة أدوية السكري)؛ وكذلك لمعرفة ما إذا كان الضروري الاستعانة بمكملات غذائية أم لا.

رصيف 22

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.