ابن خلدون في الذكرى الستمائة على رحيله

 وتعرض الدكتور قاسم عبده قاسم أستاذ التاريخ المعروف لحياة “ابن خلدون وأثره في تفكير كثير من المؤرخين” وبخاصة هؤلاء الذين تبدو علاقتهم بابن خلدون وكأنهم يحاولون إخراجه من القبر ليواجهوا به العالم والغرب تحديدا وذلك لكي يكشفوا لهم أننا أصحاب علم كنا أصحاب الريادة فيه ألا وهو علم الاجتماع.

ويشير الدكتور قاسم إلى أنه لا يوجد عالم جاء من فراغ كما أنه لا يميل لفكرة أن المبدع هو ابن نفسه، حيث المنطق يشير إلى أن كل عالم استفاد ممن سبقه وأحيانا من عاصره ومن هذا المنطلق فإن عبقرية ابن خلدون تكمن في أبرز جوانبها في أنه احتوى فكر الآخرين وأسهم في تجميعه، بمعنى أنه ما من معلومة عنده إلا وستجد صدى لها عند آخرين ولا يعد ذلك إهدارا من قيمته بأي حال من الأحوال فمن الطبيعي أن يستفيد أي عالم ممن حوله وأن يستمد ثقافته من الآخرين.

وانتقد قاسم أولئك الذين اشتغلوا على فكر ابن خلدون حيث معظم هؤلاء إما اعتمدوا على المترجمات الأجنبية أو على دراسات غربية عنه باستثناء نفر قليل منهم، وعزى عدم وجود جذور في علم الاجتماع وغيره من العلوم وانقطاع الصلة بين أجيال العلماء لعدم اهتمام السلطة في العالم العربي بهذا النوع من العلوم حيث الاهتمام فقط بالدراسات العلمية.

وانتقد قاسم تغليب الكليات العملية على النظرية منها، والنظر بعدم الاهتمام إلى علوم الاجتماع والمنطق والفلسفة، وقال قاسم: في ما يخص النظر لابن خلدون وسبل الاستفادة منه فإن ما خرج من المكتبة العربية في هذا الشأن يعد تجذيرا لأفكار غربية عن العالم العربي بينما استفاد الغرب من دراسات وأبحاث ومؤلفات ابن خلدون أضعاف ما استفدنا نحن منها، ويرى أن العرب لا ينتجون ثقافة حتى الآن ولكنهم ظلوا مستهلكين لثقافات الآخر ونجم عن ذلك عدم وجود نسق فكري خاص بهم.

وحول أثر ابن خلدون في بعث الفكر الفلسفي في مصر تعرض الدكتور مصطفى لبيب عبدالغني مشيرا إلى أن مكمن خصوبة ذلك التراث تمثل في ما يحتويه من نظريات مبتكرة اخترقت حدود الزمان والمكان وكشفت عن وعي عميق بالنسبية التاريخية وبإمكانية التجاوز على الدوام للارتقاء بالعمران البشري وأدانت الانكفاء على التراث فاستبعدت كل محاولة يقصد منها العودة إلى مثال مضى.

ويضيف عبدالغني: كانت إضاءة الأنوار الخلدونية لعقلية المحدثين بقدر استعدادهم الفعلي لذلك فإذا كان المستشرق النمساوي فون هامر قد وصف ابن خلدون في عام 1812 بأنه “مونتسكيو الغرب” فذلك لأنه السابق بنظراته العميقة في فلسفة التاريخ وفن علم الاجتماع وفي الاقتصاد السياسي على ميكافيللي وفيكو ومونتسكيو وآدم سميث وأوجست كونت وعلى مختلف أتباع الجدلية من الماركسيين وعلى ارنست هيجل. ويستشهد عبدالغني بمقولة المستشرق الهولندي دي بور الذي قال عن ابن خلدون إنه “كان من دون سلف كما أنه بقي من دون خلف”. ويضيف مصطفى لبيب عبدالغني: سيظل ابن خلدون يمثل جانبا من أكثر جوانب ثقافتنا التقليدية عصرية فهو عقلية واضحة كلها ضوء وضوؤه العقلي يمثل كل غموض ويصل نقيا إلى الأشياء وهو التعبير الذي أطلقه عليه الفيلسوف الإسباني المعاصر أورتيجا أي جاستيا.

ويرى لبيب أنه كان من الطبيعي أمام خصوبة التراث الخلدوني أن تتعدد تأويلاته بين أقصى اليمين وأقصى اليسار بما يعكس ثقافة أصحاب كل قراءة وشواغلهم، ومع نهضة العلوم الاجتماعية في عصرنا: علم التاريخ وعلم الاجتماع والأثنروبولوجيا نشهد القراءات الكبرى لابن خلدون عند أمثال روبير مونتاني وجاك بيرك والملاحظ أن قراءة ابن خلدون في القرنين التاسع عشر والعشرين تشكلت أساسا من خلال الترجمات التركية والأوروبية والآسيوية وانطوت كل ترجمة منها على خيار اجتماعي لغوي وتوجه نظري ومفاهيم خاصة للعالم وحملت بعض الترجمات مثل الترجمة الفرنسية لفانسان مونتي طابع التوفيق بين العلم الخلدوني والعلم الحديث.

ويخلص لبيب إلى أن ابن خلدون يثير “الفيلولوجي” ومؤرخ الأفكار والمؤرخ السياسي والأنثروبولوجي والسيوسيولوجي وبقدر الاستثارة الخلدونية للعقل المعاصر العربي على وجه الخصوص والعالمي على وجه العموم يبقى من الأهمية بمكان أن تتوافر لدينا قراءة متوازنة للنص الخلدوني في إطار عصره لا بما هو نص مطلق وذلك وفاء للروح الخلدونية ذاتها.

ويرى لبيب أن مقدمة ابن خلدون كما يراها أرنولد تويني أعظم عمل من نوعه ابتكره أي عقل في أي عصر وفي أي بلد وتتسع زوايا الرؤية إليها سواء من المنظور التاريخي أو من منظور علم الاجتماع الثقافي كما يرى أن المقدمة هي إنتاج فترة بعينها شهدت المواجهة العنيفة بين الحضارة الإسلامية وبين القوى الوليدة المنتصرة في الغرب من ناحية والإعصار المغولي الجارف من ناحية أخرى، ومن ثم فهي شهادة على عصرها بما فيه من عوامل نهضة وعوامل انكسار كما أنها مناسبة لفهم التركيب السياسي والاجتماعي لمجتمعات الغرب الإسلامي.

ومع بزوغ حركات التحرر في العالم الثالث وتصدع قوى الاستعمار العالمي برزت فعالية التراث الخلدوني وفي تفسير حوادث العالم بل وفي وسائل توجيهها ومثل هذا التراث استثارة حقيقية لأحفاد ابن خلدون مع تصاعد البعث القومي واستدعاء القومية العربية أو القومية البربرية في المغرب حينا آخر.

ويرى لبيب أن قيمة فكر ابن خلدون تكمن في قدرته المتجددة على إثارة وعينا بواقعنا المعاصر ويكفي أن نشير هنا على حد رأيه وتأكيده إلى خطر غياب مبدأ ديني ومبدأ سياسي يوحد الأمة فيكون دافعا لحركتها نحو المستقبل وعاصما لوجودها من التصدع وتلك هي الدلالات الباقية لمفهوم العصبية عند ابن خلدون، فضلا عن تأكيده على قيمة العدالة الاجتماعية في استقراء النظام العام لأي جماعة إنسانية وفي تأكيده على خطر احتكار السلطة والثروة حينما يصبح الحكام تجارا.

ويبقى من التراث الخلدوني أيضا  كما يقول د. مصطفى لبيب عبدالغني  رؤيته الصائبة للعلاقة الجدلية بين العالم والحضارة واعتباره العلم سببا للحضارة ونتيجة لها كذلك، وتمييزه الحاسم بين العلم والدين وتلك مسألة لا تزال غائبة في الثقافة العربية المعاصرة وخاصة ما يذهب إليه من أن الوعي بصحيح الدين هو المدخل الضروري للتحضر، فضلا عن يقينه بأن الإنسان متى أخلص لفطرته السليمة أصبح قادرا على التجاوز دون حدود مقدرة سلفا.

واختار الدكتور عبادة كحيلة  أستاذ التاريخ  أن يتصدى للأمر من جانب مختلف حيث اختار عنوانا لمساهمته هو “ابن خلدون شاهدا على عصرنا”، ويقر عبادة بأن الذي دفعه لهذا الاختيار هو المفكر البحريني محمد جابر الأنصار الذي قدم دراسة بعنوان “ابن خلدون مقيما في أوضاعنا العربية” حيث تخيل عبادة فيما بعد أن عالم الاجتماع الذي توفي قبل ستمائة عام خرج من مرقده وراح يحصي حال العرب والمسلمين.

ومن واقع هذه التجربة كما تخيلها عبادة وبعد قراءة ثانية “للمقدمة” خلص إلى أن كثيرا مما وصل إليه العالم الراحل واقع بيننا، ويقول عبادة كحيلة: ابن خلدون يفسر وجود الدولة بقوله “الإنسان مدني بالطبع” فهو في حاجة لأن يعيش مع غيره لكن البشر بما لديهم من طباع حيوانية تدفع بهم إلى العدوان والظلم يصيرون في حاجة إلى وازع وهذا الوازع في نظره لا يكون إلا الدولة التي على رأس مهامها إشاعة العدل وإزالة الظلم الذي هو مؤذن بخراب العمران أي خراب المجتمع.

ويقر كحيلة بأن ما يهمنا عند التطرق لذلك العلامة هو حديثه عن الدولة في مرحلة ترفعها ثم تقدمها وذهاب أمرها فالسلطان كما يقول العلامة “لما جُبل عليه من ترف وكثرة نفقات لا يجد في الجباية المعتادة ما يكفيه فيلجأ إلى الجبايات غير المعتادة كما أنه يلجأ للتوقف عن النفقة ويحجب الأموال ولا يصرفها في مصارفها فيقع الكساد الذي يترتب عليه توقف الحركة في الأسواق”.

ويرى عبادة أن العلامة الراحل جاء بقانون اقتصادي مهم ينادي به رجال المال وخبراء الاقتصاد اليوم هو أن “الدولة هي السوق الأعظم أم الأسواق كلها وأصلها ومادتها”.

وقد تنبأ ابن خلدون  كما يقول عبادة  بذلك اليوم الذي يستحوذ فيه السلطان وعائلته والحاشية ممارسة التجارة ويستغلون المنصب في الحصول على ما يريدون ويحددون سعر السلعة ولذا فقد فطن الفرس  كما يقول ابن خلدون  للآفة التي تصيب الدولة إذا ما عمل السلطان بالتجارة ولذا اشترطوا على ملوكهم ألا يتخذوا صنعة كي لا يضروا بأهلها.

ويتطرق عبادة للقوانين الاقتصادية التي صاغها ابن خلدون ومن بينها ما له علاقة بالجبايات الشرعية والتي يرى أن فيها مصلحة للحاكم والمحكوم معا وفي ذلك يقول إن السلطان لا ينمي ماله ولا يُدر موجوده إلا الجباية وإدرارها لا يكون إلا بالعدل في أهل الأموال والنظر لهم بذلك تنبسط آمالهم وتنشرح صدورهم بتنمية الأموال فتعظم بها جباية السلطان أما غير ذلك من تجارة أو فلح فإنما هو مضرة عاجلة للرعايا وفساد للجباية ونقص للعمارة.

ويرى عبادة أن ابن خلدون عبر إسهاماته في شؤون الاقتصاد رصد ما سوف يصير إليه حال العالم حيث تبرز الطبقية الجشعة وتصبح وسيلة الصعود هي الخضوع والتملق وذلك على حد رأي العلامة “لأن الناس لا يستطيعون الوصول إلى غاياتهم دونها وبذلك يرتفع الكثيرون السفلة أما من يتخلقون بالترفع والشمم فإنهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة”، ومن بين هؤلاء المترفعين يضع ابن خلدون طائفة العلماء وإن كان عبادة يتحفظ على ما ذهب إليه بشأن العلماء ذلك لأن البعض منهم شرفاء ولا يلجأون لمثل تلك الوسائل ونفس الحال في زماننا هذا.

ويربط ابن خلدون بين هبوط شأن حال أهل العلم وهبوط مستوى العمران في المجتمع ويستشهد في ذلك ببلاد المغرب في زمانه فقد هبط سند العلم بها باختلال عمرانها أي مجتمعها بمعنى أن هناك علاقة عضوية بين هذا وذاك، ويرى عبادة أن العلامة انتهى إلى نهاية يراها حزينة ففي الفصل الخاص بأن “الهرم إذا نزل بالدولة فإنه لا يرفع” فهو بذلك يفسر حالة الملوك إذا ما نزل البلاء بالدولة حيث لا يستطيعون التخلي عن عادات الترف التي أدت لزوال حكم أسلافهم.

وحول القراءات المغاربية لفكر ابن خلدون باعتباره ينتمي للمغرب العربي يقول الدكتور مصطفى خياطي إن الأستاذ أحمد عبدالسلام الباحث والأكاديمي والمؤرخ وضع على كاهله مهمة التصدي لفكر ابن خلدون وإعادة استلهام تجاربه واستمر في ذلك حتى فترة السبعينات من القرن المنصرم، أما بعد الثمانينات فلم يصدر شيء ذو قيمة في هذا المجال باستثناء محاولات المغربي عبد السلام الشداوي لخلق عمل تجديدي بعيدا عن مجرد التدقيق في مؤلفات العلامة والكشف عن نسخها.

ويرى خياطي أن كل ما تم من قراءات مغاربية في تلك الفترة لا يخرج عن كونه اجترارا أو نقدا على نقد أو تعليقا على تعليق وذكر أن البداية كانت مع محاولة طباعة النصوص وقد أصدرها للمرة الأولى مستشرق فرنسي قام بتحقيق “المقدمة”، ويشير خياطي إلى أن مشكلة المقدمة أن لها روايات كثيرة كما أن أزمة المؤرخين العرب أنهم اشتغلوا على المترجمات وإن كان عبد السلام الشداوي أكثرهم اجتهادا حيث اعتمد على أربعين مخطوطا لابن خلدون بينما السواد الأعظم من المؤرخين لم يشتغلوا سوى على مخطوطين أو ثلاثة على الأكثر.

ويرى خياطي أن ابن خلدون اعتبره الفرنسيون مصدرا مهما لفهم أوضاع المغرب العربي الذي احتلوه لفترة طويلة ووجدوا في مؤلفاته ضالتهم لتبرير استعمار تلك البلاد وذلك حينما روجوا لادعاءات مغلوطة نسبوها إليه وخاصة نصه في “تاريخ البربر” الذي نشر وترجم في الخمسينات، ويشير مصطفى إلى أن العرب اكتفوا بطبعة بولاق “للمقدمة” التي نشرت في القرن التاسع عشر وقاموا بطبع عدة طبعات وصفها بغير العلمية حتى جاء د. علي عبد الواحد ونشر في منتصف القرن الماضي نصا للمقدمة. وبعد ذلك ظهر عالم ألماني هاجر لأمريكا وكان متخصصا في التاريخ الإسلامي كما كان يجيد بعض اللغات القديمة وقام بنشر النص الأصلي للمقدمة عام 1958 وظلت هي المرجع حتى جاء عبد السلام الشداوي الأستاذ بجامعة الملك محمد الخامس وعمل على ترجمة الفصل الأخير من كتاب العمارة الذي كتبه ابن خلدون بنفسه وكان هدفه من ذلك محاولة فهم الظروف التي أحاطت بالعلامة والأسباب التي دفعته لكتابة ذلك المرجع. ومن الكتب المهمة التي نشرت للراحل كتاب “التعريف” وهو نشرة علمية مدققة صدرت عام 1951 للمغربي ابن تاويت الطنجي وتعود أهميتها إلى أن المؤرخ المولود في طنجة ينتمي لمسقط رأس ابن خلدون بذا كان على دراية بتاريخ تلك البلاد عن غيره من الباحثين.

ويتصدى مصطفى خياطي لتجربة طه حسين مع ابن خلدون حيث يرى أن طه اعتمد في دراسته عن عالم الاجتماع على ترجمات فرنسية وبالتالي فإن تحليلاته جانبها الصواب وآراءه حملت أخطاء ولازمها استعلاء من قبله، ويرى خياطي أن حسين اتهم ابن خلدون بالعنصرية وبالجهل واستشهد على ذلك بترجمة خاطئة عن الفرنسية لأحد كتبه وذلك حينما كتب ابن خلدون عن كتاب الأغاني للأصفهاني وقام المترجم بنقل جملة على سبيل الخطأ فهمها طه حسين على أن العلامة الراحل لم يقرأ الأغاني من الأصل لعجزه عن العثور على نسخة منه، ويذهب خياطي في نهاية الأمر إلى أن المجتمعات المغربية والعربية حينما تصدت لدراسات ابن خلدون فإنها انقسمت عبر مؤرخيها لقسمين الأول ينزل بابن خلدون بمنزلة أرسطو وغيره من الفلاسفة العظام بل ويتفوق عليهم، وقسم آخر يرى أنه شطط في بعض جوانب دراسته وإن كان كلا الفريقين ينظر إليه باعتباره ابن الثقافة العربية المدافع عنها بجدارة وأنه لم يخرج عنها وأنه جاء ليرسخ لثقافة قائمة بذاتها مبنية على أساس المواءمة بين العلوم العقلية والنقلية.

 

 

ذكريات محمود

المصدر : الخليج