كاتب أمريكي: أطحنا بخمسين حكومة وفشلنا أمام الأسد

24-09-2016

كاتب أمريكي: أطحنا بخمسين حكومة وفشلنا أمام الأسد

أكد كاتب أمريكي وجود دلائل على أن رفض الرئيس بشار الأسد تمرير مخطط خط الغاز القطري إلى تركيا، عبر الأراضي السورية، كان بمثابة طلقة البداية لعملية إسقاط الأسد، حيث بدأت الاستخبارات المركزية CIA بتسليح المجموعات المعارضة بعدها بقليل.

وأشار الكاتب مايك ويتني، في مقال منشور في موقع كونتربونش، إلى أن المراسلات السرية والتقارير العائدة لأجهزة الاستخبارات السعودية والأمريكية و”الإسرائيلية” تظهر أنه في اللحظة التي رفض فيها الأسد مشروع خط الغاز القطري بدأ المخططون الاستخباراتيون والعسكريون يصلون إلى قناعة مشتركة قوامها ضرورة تفجير ما يطلقون عليها اسم «انتفاضة سنية» لإسقاط الأسد، غير المتعاون معهم في مشاريعهم. وبحسب ويكيليكس بدأت CIA بتسليح المجموعات المعارضة بعد فترة قصيرة فحسب من رفض الأسد مشروع الخط القطري، في عام 2009.
ومضى ويتني في تقريره قائلاً:

الاشتباكات في سورية ليست حرباً بالمعنى التقليدي للكلمة، بل إنها أقرب من ذلك إلى عملية تغيير نظام، كما حدث في العراق وليبيا قبل فترة غير طويلة من الزمن. وإن القوة الدافعة وراء هذا الاشتباك هي الدولة التي أطاحت بأكثر من خمسين حكومة منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن (انظروا قائمة بيل بلوم).

إن واشنطن هي بطلة العالم، بلا منازع، في الإطاحة بالأنظمة، وليس بمقدور أحد أن يجاريها في هذا. بناءً عليه يمكن القول إن الشعب الأمريكي بمقدوره تمييز نوعية التدخل، وخلفية البروباغندا، وتحميل المسؤولية لأصحابها. لكن هذا لم يحدث أبداً، ولا يظهر أنه سيحدث هنا. مهما كانت الدلائل قوية ومثبتة يؤمن الشعب الأمريكي المغسول دماغه دوماً بأن حكومته تقوم بالصواب. وفي الحقيقة لا تقوم الحكومة الأمريكية بالصواب، فهي تسببت بمقتل نصف مليون شخص، وفي نزوح ما يقارب سبعة ملايين شخص، وتحول قطاعات واسعة من الأراضي إلى مساحات فارغة غير قابلة للحياة. إن تسليح السلفيين المتشددين، وتدريبهم وتمويلهم ليس فعلاً صائباً بالتأكيد، بل فعل لا أخلاقي وخاطئ بشدة.

لقد اختارت الولايات المتحدة أن تتدخل في سورية لأسباب خاطئة تتعلق بشكل أساسي بضمان قدوم الغاز الطبيعي؛ فقد أرادت أن تنشئ في دمشق نظاماً يكون كالدمية في يدها، وتضمن من خلاله أمن أنابيب الغاز الطبيعي في الشرق، وأن تراقب خطوط نقل احتياطي الغاز القطري إلى الاتحاد الأوربي، وتهدف بشكل أساسي أن يتم تسعير هذه الكميات من الغاز بالدولار الأمريكي بما يعود بالنفع على خزينتها وعلى موجوداتها النقدية. هذه هي المعادلة الأساسية لإدامة الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط والتحكم الامبريالي الأمريكي على القوى العالمية.

لم تبدأ الحرب في سورية بمواجهة حكومة بشار الأسد للمتظاهرين في 2011، كما هو معتقد. إن هذا التقديم للأزمة ليس أكثر من فذلكة لتغطية الحقيقة. فالحرب الحقيقية بدأت عام 2009 عندما رفض الرئيس بشار الأسد مشروعاً لنقل الغاز القطري إلى الاتحاد الأوربي عبر أراضيه. وكما أوضح روبرت ف. كينيدي في مقال رائع له بعنوان «سورية: حرب جديدة لخطوط النقل» فإن الخط، الذي كان سيبلغ طوله أكثر من 1500 كم، وبتكلفة تفوق 10 مليارات دولار، سيؤدي إلى ربط منابع الغاز في قطر بأسواق التصريف في أوروبا بشكل مباشر عبر محطات التوزيع في تركيا، بعد أن يمر في السعودية والأردن وسورية وتركيا. وكان الخط سيكسب الحكام العرب في الخليج الفارسي هيمنة على أسواق الغاز في العالم، كما سيقوي قطر إحدى أقرب حلفاء أمريكا في العالم العربي. عندها رفض الأسد، في 2009، أن يوقع على اتفاقية مرور الخط في سورية، حرصاً منه على عدم أذية مصالح حليفه الروسي.

واختار الأسد بديلاً عن ذلك أن يدعم مشروعاً توافق عليه روسيا، وهو خط إسلامي يبدأ من إيران ويصل إلى موانئ لبنان عبر الأراضي السورية. هذا المشروع تسبب بزيادة غضب حكام الخليج من الأسد. فالمشروع هذا سيجعل من إيران وليس قطر أهم مورد غاز لأوربا، وسيضاعف من قوة إيران على المستويين الإقليمي والعالمي. ولذلك كان من الطبيعي أن يتضاعف غضب وحقد السعوديين والقطريين والأتراك والأمريكيين على الأسد. ولكن ما الذي بإمكانهم أن يفعلوه؟ كيف يمكن أن يمنعوه من اختيار شركائه في العمل، والسماح باستخدام الأراضي الداخلة تحت سيادته لنقل الغاز إلى الأسواق؟

ما بإمكانهم فعله هو ما بإمكان زعيم مافيا جيد بالضبط: تحطيم بضعة أيدي وأرجل وسرقة كل شيء. في هذا الوضع الخاص قررت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها المتآمرون إطلاق حرب ظالمة بالوكالة ضد دمشق، وقتل الأسد أو الإطاحة به وضمان حصول عمالقة النفط على حصص في اتفاقات خطوط نقل الغاز، إضافة لتأمين السيادة على الخط المذكور. المخطط كان كذلك.

المراسلات السرية والتقارير العائدة لأجهزة الاستخبارات السعودية والأمريكية و”الإسرائيلية” تظهر أنه في اللحظة التي رفض فيها الأسد مشروع خط الغاز القطري بدأ المخططون الاستخباراتيون والعسكريون يصلون إلى قناعة مشتركة قوامها ضرورة تفجير ما يطلقون عليها اسم «انتفاضة سنية» لإسقاط الأسد، غير المتعاون معهم في مشاريعهم. وبحسب ويكيليكس بدأت CIA بتسليح المجموعات المعارضة بعد فترة قصيرة فحسب من رفض الأسد مشروع الخط القطري، في عام 2009.

لنكرر: في اللحظة التي رفض فيها الأسد مشروع خط الغاز القطري كان قد أمضى عملياً على مرسوم موته. هذا القرار بمفرده كان الصاعق الذي أطلق العدوان الأمريكي، الذي قام بدوره، مستفيداً من المجرمين المتشددين الذين تم تأهليهم وتحضيرهم من قبل أجهزة استخبارات حليفة، بتحويل حضارة عمرها خمسة آلاف عام إلى منظر عارٍ غير مأهول، كما في الفلوجة تماماً.

ولكن الجزء الأكثر لفتاً للانتباه في هذه القصة هي أن الولايات المتحدة الأمريكية طبقت نفس الخطة تقريباً قبل ستين عاماً، في عهد آيزنهاور. ولنقتبس مرة أخرى من مقال كينيدي، إذ يقول: في الخمسينات بدأ آيزنهاور والإخوة دالاس، وخاصة عندما أخذت أنظمة الحكم العربية تهدد امتيازات النفط الأمريكية، بمحاربة القومية العربية، إن رئيس الـCIA آلان دالاس كان يراها صنواً للشيوعية. لقد تم، عبر تقديم الدعم العسكري، تحويل الحكام في كل من السعودية والأردن والعراق ولبنان إلى دمى يحملون الأيديولوجية «الجهادية» التي كان الأمريكيون يرون فيها المصل المضاد للماركسية السوفيتية. وقد بدأت CIA تدخلها في سورية عام 1949، أي بعد تأسيسها بعام واحد فقط. فرئيس الجمهورية السوري المنتخب ديمقراطياً آنذاك شكري القوتلي كان متردداً أمام القبول بخط أنابيب ترانس- السعودية، الذي كان يهدف إلى ربط حقول النفط السعودية بلبنان. وقامت CIA بترتيب انقلاب جاء على إثره الديكتاتور المنتقى من قبلها حسني الزعيم، والذي كان محكوماً بقضايا نصب واحتيال. ولم يبقى الزعيم في الحكم إلا أربعة عشر وأسبوعاً لم تكن كافية لحل البرلمان وتعيين برلمان جديد يوافق على الخط السعودي، فأطيح به من قبل مواطنيه. وفي عام 1956 جاء إلى دمشق العميل الأمريكي روكي ستون، حاملاً معه مبلغاً يقدر بثلاثة ملايين دولار، لتحريض العناصر السلفية ورشوة الضباط والسياسيين السوريين للقبول بالإطاحة بنظام الرئيس القوتلي المنتخب ديمقراطياً. ولم تفلح كل جهود الـCIA في شراء ذمم الضباط السوريين، الذين قاموا بكتابة تقرير إلى قياداتهم بمحاولات رشوتهم. وعلى الأثر قام الجيش السوري باقتحام السفارة الأمريكية في دمشق، وإلقاء القبض على ستون. واعترف ستون أمام الكاميرات بالدور الذي لعبه للإطاحة بحكومة طهران (حكومة الدكتور مصدق) وبالمهام التي قام بها بتكليف من الاستخبارات الأمريكية للإطاحة بالحكومة المشروعة في دمشق. وقام الجيش السوري بناءً على هذا بتصفية كل السياسيين المتعاطفين مع الولايات المتحدة الأمريكية.

هل تلاحظون كيف أن التاريخ يتكرر؟ يبدو أن الاستخبارات الأمريكية كانت أكسل من أن تكتب سيناريو جديداً، فقامت بإنزال السيناريو القديم من مكانه على الأرفف المغبرة، واستأجرت له ممثلين جدداً.

بأية حال، تمكن الأسد، المدعوم من إيران وحزب الله والقوى الجوية الروسية، من إحباط محاولات الإطاحة به وتعيين نظام عميل للولايات المتحدة الأمريكية. ولا يجب النظر إلى هذا على أنه دعوة لدعم الأسد، بل على أنه دفاع عن المبدأ، الذي يعتبر العمود الفقري للأمن العالمي والسيادة الوطنية، وللقوانين الدولية، بمواجهة العدوان غير المبرر، سواء كان هذا العدوان مباشراً عبر الجيش الذاتي أو عبر قوات الوكلاء المسلحين، الذين يستخدمون حججاً ومبررات قد تبدو منطقية. الحقيقة هي أنه لا فرق بين احتلال أوباما لسورية وبين احتلال بوش للعراق. المسائل الأخلاقية والعرفية والحقوقية هي نفسها، والفرق الوحيد هو أن أوباما أكثر نجاحاً في تشويش أفكار الشعب الأمريكي.

ما يجري هو تغيير للنظام. «يجب أن يرحل الأسد»، لقد استخدمت حكومتنا منذ البداية هذه النغمة . إن أوباما يحاول أن يطيح بنظام منتخب ديمقراطياً يرفض أن يخضع لضغوطه في مد خطوط للطاقة تقوي من مكانته وسلطته. إن الحقيقة الكامنة وراء التعابير الزائفة من قبيل «الأسد ديكتاتوري» و«داعش» و«المدنيون يسقطون ضحايا الحرب في حلب» هي هذه ولا غيرها. إن واشنطن لا تهتم لأي من هذا. ما يهم واشنطن هو البترول والطاقة والمال.

يجب أن نقبل بأن الاشتباك في سورية هو جزء لا يتجزأ من الحروب، التي نشنها منذ 65 عاماً في الشرق الأوسط، للتحكم بمنابع الطاقة. وعندما نعي أن سبب الحرب هو خط الأنابيب يصبح كل شيء قابلاً للفهم.

 

ترجمة سومر سلطان: أورهاي نيوز

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...