حنا مينة ملك من “حارة الشحادين”

04-05-2016

حنا مينة ملك من “حارة الشحادين”

احتفل العالم سنة 1970 بالذكرى المؤية لميلاد لينين، يومها كتب صاحب “الابنوسة البيضاء” الرجل النبيل والروائي حنا مينة، المبدع الذي يعشق الكونياك الفرنسي مقالة يمجد فيها لينين، بدأها بكلام من ذهب، قائلاً: “سؤالي إليكم متى يستقيم الصمت لغةً في الكلام”.

ولد حنا مينة الذي تقول عنه أمه “جبلته الحياة كيف ما كان” في يوم 11 آذار (مارس) من سنة 1924 في مدينة اللاذقية، عاش طفولته في إحدى قرى لواء الاسكندرون، وفي عام 1939 عاد مع عائلته إلى مدينة اللاذقية، وهي عشقه وملهمته بجبالها وبحرها. كافح كثيراً في بداية حياته وعمل حلاقاً وحمالاً، ثم بحاراً على السفن والمراكب.

ومن مصلّح دراجات، الى مربّي أطفال في بيت سيد غني، ثم عامل في صيدلية إلى صحفي أحيانا، وصولاً إلى كاتب مسلسلات إذاعية للإذاعة السورية باللغة العامية، إلى موظف في الحكومة، إلى روائي، استقر به الحال عام 1947 بالعاصمة دمشق، وعمل في جريدة الانشاء الدمشقية حتى أصبح رئيس تحريرها، وساهم في تأسيس رابطة الكتاب السوريين واتحاد الكتاب العرب.

رزق حنا بخمسة أولاد، بينهم صبيان، هما سليم، توفي في الخمسينيات من القرن الماضي، في ظروف النضال والحرمان والشقاء، والآخر سعد، أصغر أولاده، وهو ممثل ناجح ومعروف الآن. ورغم كل الألم والوجع الذي عاشه، إلا أنه أصر ان يكون مثالا يحتذى في التضحية، لينجو الآخرون من العذاب، حيث يقول “أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين، فالكفاح له فرحه، له سعادته، له لذّته القصوى، عندما تعرف أنك تمنح حياتك فداء لحياة الآخرين، هؤلاء الذين قد لا تعرف لبعضهم وجهاً، لكنك تؤمن في أعماقك أن إنقاذهم من براثن الخوف والمرض والجوع والذل، جدير بأن يضحَّى في سبيله، ليس بالهناءة وحدها”.

البحر مصدر إلهامه

لقد وضع صاحب “المصابيح الزرق” (أولى إصداراته) وثلاثية البحر (حكاية بحار، الدقل والمرفأ البعيد) أحاسيسه على الورق، منجزاً أعماله الروائية والقصصية، ممجداً البحر أكثر مما فعل كل الأدباء العرب مجتمعين، فأجاد وأبدع في وصف حياة البحارة، وصراعهم على متن المراكب والسفن وأخطار البحر. فكتب يقول في ذلك “لقد كان البحر دائماً مصدر إلهامي، حتى أن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، طبعاً لم أقصد البحر بشيء. في بداياتي، الا أن لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نُقشت وشماً على جلدي، إذا نادوا: يا بحر أجبت أنا! البحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت… تعرفون معنى أن يكون المرء بحّاراً؟”.

تكاد تشعر بتنهده، الممزوج بعرق الصيادين، وحبه الجم لكل ما يمت للموج ورائحة الملح البحري بصلة، حين يقول: “البحّار لا يصطاد من المقلاة! وكذلك لا يقعد على الشاطئ،

بانتظار سمكة السردين التافهة، إنه أكبر، أكبر بكثير، وأنا هنا أتحدث عن البحّار لا عن فتى الميناء!”

لقد كان مينة يتسائل بشكل دائم: “أليس عجيباً، ونحن على شواطئ البحار، ألا نعرف البحر؟ ألا نكتب عنه؟ ألا نغامر والمغامرة احتجاج؟ أن يخلو أدبنا العربي، جديده والقديم، من صور هذا العالم الذي هو العالم، وما عداه، اليابسة، جزء منه؟”.

حارس جبل قاسيون!

طوال حياته لم يكن حنا مينة خانعاً، بل ناضل ومشى على الأشواك، فاضحاً كل الظالمين والجلادين، فقال ذات مرة: “إذا كنت لا أستطيع بمفردي، أن أزيل ظلم الحياة، فإنني أستطيع بمفردي، ألا أصالحها، ولا أخافها”.

الكاتب الذي عبت رئتيه بنهمٍ من هواء البحر المملح، انتقل للعيش في دمشق، في قبو، فبقيت في قلبه لوحة الموج الساحرة على صخور بانياس، معلقة مثل شهقة الموت الاخيرة، فيبوح بحلمه النبيل وأمنيته الراقية قائلاً: “أمنيتي الدائمة أن تنتقل دمشق إلى البحر، أو ينتقل البحر إلى دمشق، أليس هذا حلماً جميلاً؟! السبب أنني مربوط بسلك خفي إلى الغوطة، ومشدود بقلادة ياسمين إلى ليالي دمشق الصيفية الفاتنة، وحارس مؤتمن على جبل قاسيون، ومغرم متيّم ببردى، لذلك أحب فيروز والشاميات”.

ويتابع “أنا لا أدّعي الفروسية، المغامرة نعم! أجدادي بحّارة، هذه مهنتهم، الابن يتعلم حرفة أهله، احترفت العمل في الميناء كحمّال، واحترفت البحر كبحّار على المراكب”.

نحتاج لشيء من الجنون!

نال مينة وسام الاستحقاق من الدرجة الاولى، وأهدته الحكومة السورية منزلا في دمشق، فعلق قائلاً “لقد إنتقلت من فقر أسود الى فقر أبيض”، وأقيمت له مئات الأمسيات والحفلات التكريمه، ولا نبالغ إن قلنا أنه كرم في معظم قرى سوريا، في واحدة من هذه الحفلات التكريمية، وتحديداً في صيف سنة 2009، رد صاحب رواية “الفم الكرزي” على اتهامه بأنه كاتب أرثوذكسي فقال: “أنا إنسان أرثوذكسي بسيط، ولكني لم أكن يوماً كاتباً أرثوذكسياً” وأضاف: “أنا أكتب لكل الناس، للفقير قبل الأمير. يقرأ الناس أدبي في الغرب كما يقرأونه في العالم العربي، وتدرَّس رواياتي في خمس جامعات أميركية”، وأردف: “أنا هو الحجر الذي رفضه البناءون، وأصبح في ما بعد حجر الزاوية”.

ورداً على سؤالي له عن عمله في السياسة ونظرته للحرية وحلمه في التغيير مع رفاقه في الحزب الشيوعي، قال: “حنا مينة رجل نصفه عاقل ونصفه مجنون، إلا أنه يحب نصفه المجنون أكثر. ومشكلتنا في العالم العربي أن حكامنا كلهم عقلاء ونحن نحتاج لشيء من الجنون. لقد ناضلت في سبيل الجلاء وعملت في السياسة مع رفاق أعزاء، وتعرضت للسجن والتعذيب. في شبابي عملت حلاقاً، وحلمت بتغيير العالم، فكتبت مسرحية لا أعلم أين نصُّها الآن، قلت فيها: “إنني سأغير العالم في ستة أيام وأستريح في اليوم السابع”.

أما عن الحب فقال: “عندما كنت في العشرين من عمري كنت مشغولاً بالرغيف عن الحب، أما الآن فأقول لكم: الحب مرض لذيذ فأحبوا قليلاً كي تكونوا أقوياء”.

سلاح حنا مينة هو الفكر، وكلمة السر في حياته كانت وستبقى العدالة الاجتماعية.

 

فادي نصار: روسيا الان

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...