سعاد جروس تكتب عن يوم له ما بعده

الجمل ـ سعاد جروس : بمناسبة تزامن عيدي الأضحى ورأس السنة, لم تشأ إدارة بوش إلا تهنئة الشعب العربي والتعبير عن مشاركتها بأفراحه بجريمة ديمقراطية جداً تقسم العرب إلى أشلاء وتشتت شملهم أكثر مما هم مشتتون. جريمة إعدام صدام, ارتكبت تحت ظلال القانون, لتخيم تداعياتها بكل ما تحمله من معان مذلة ومهينة وفاجعة على المنطقة. وما بين مستنكر وشامت ضاعت الأعياد, وضاعت معها مناسبات تقليدية للتزاور والتسامح والمودة, لتبرز مشاعر النقمة مخفية ومعلنة مندلعة من كل الاتجاهات وعلى كل المستويات؛ فمن كان ضد الإعدام الثأري, تعرض للهجوم بوصفه مدافعاً عن الديكتاتور, ومن كان مع الإعدام حتى لو كان مخالفاً لكل الأعراف, قوبل بالعداء بوصفه طائفياً. ورغم تلاقي الفريقين عند حرمة تنفيذ الإعدام في الأعياد, وعدم عدالة المحاكمة وحماقة التنفيذ, شاء الإعلام العربي ألا يكون موضوعياً ونزيهاً, ومضى في تأجيج مشاعر العداء والفرقة بديماغوجية تورث الحقد والضغينة.
ما جرى للأسف لم يكن أكثر من مسرحية هزلية هزيلة لمحاكمة حفلت بالأخطاء والتهريج القضائي والتجاوزات القانونية, وضاعت فرصة تاريخية للعراقيين والعرب, كان من الممكن أن تؤسس لديمقراطية حقيقية تنبثق من مبدأ سيادة القانون من خلال إقامة محاكم عادلة ونزيهة, ليس لنظام صدام وإنما لجميع الأنظمة العربية ولسياسات الدول الكبرى. وبدل أن يتوقف الإعلام عند ملابسات محاكمة لم تكتمل, والتساؤل عن المسارعة بتنفيذ حكم الإعدام المتعلق بقضية الدجيل, في حين لم يعرف بعد إلى أين انتهى التحقيق في قضية الأنفال, وما إذا كانت هناك قضايا أخرى!! ركز الإعلام على شريط فيديو سُرب عن عمد ليكون هو القضية كلها. كيف سرب ومن نفذ الحكم, ومدى طائفية العبارات التي قيلت... إلخ, وتفاصيل لا تخفى عقابيلها الكارثية من شأنها تفجير مزيد من أنهار الدم في العراق, كل ذلك على حساب محاكمة كان لها أن تكون درساً, وكان من الممكن أن تكون محاكمة حقيقية, لحقبة مظلمة عنوانها الظاهر صدام, وسطورها المخفية السياسات الأميركية والغربية القذرة التي تعيث في العالم فساداً في سبيل تأمين مصالحها. أليست هي نفسها التي دعمت ومولت وسلحت صدام حسين؟
لكن المحاكمة غسلت ذنوب الديكتاتور, وبررتها بأنها كانت بداعي الحفاظ على أمن واستقرار النظام ووحدة العراق, وبالتالي سينجب فعل الإعدام جيلاً يشبهه بالقسوة والاستبداد. وبالدرجة ذاتها نسف أسلوب تنفيذ الإعدام مسلسل ديمقراطية كاذبة استعانت بها إدارة الاحتلال لتشريع وجودها, واسقط القناع عن حكومة لا تقل همجية وإجراماً عن فرق الموت والميليشيات الطائفية والعشائرية. حكومة خنوع لم تستفد من منعطف تاريخي كان من شأنه التأسيس ليس لمستقبل العراق, وإنما المنطقة كلها, وبدل أن تتمسك بالمبدأ وتسمو على الجراح والضغائن, سقطت في شراك الاقتتال الأهلي, ونفذت على عجل ما تعلم تماما فداحة خطورته, في يوم له ما بعده, وسيجري عليها ما جرى على صدام الذي أجراه على من كان قبله؛ في متوالية ثأرية كان الأجدى على الحكومة العراقية أن تضع نهاية لها, بتكريس المحاسبة وسلطة القانون في سبيل مستقبل أفضل يستحقه العراق, لا محاكمة بدافع الانتقام, أو لتحقيق أهداف سياسية, على رأس ضحاياها وحدة العراق وسلامة العراقيين.
المحاكمة ضرورية ليس لإدانة نظام مستبد وحسب, بل لتبيان حجم الأسطورة في كل ما قيل ويقال عنه, وتحديد مسؤولية الأطراف الخارجيين عن بقائه, لكنها قدمت سلامة المنطقة أضحية على مذبح الأطماع الدولية. ومن نافل القول, ان ما ارتكب من جرائم نتيجة الاحتلال والانفلات الأمني, كفيل ليس بالتغطية على ما ارتكبه صدام, بل بتشريعه, يدل عليه عبارة باتت شائعة: «كي يعود الأمن للعراق لا بد له من حجاج أو صدام». وهناك من يقول أيضاً: «إن صدام قاتل من قاتل وقتل من قتل بدافع بناء عراق قوي». بينما الأطراف اللاعبة على الساحة العراقية اليوم بما فيها الحكومة, ليس بوسعها الادعاء بأن التقاتل الدائرة رحاه يهدف للحفاظ على وحدة العراق, ومواجهة مؤامرات التقسيم والانقسام والاقتسام!! إنها المفاضلة بين المرّ والأكثر مرارة.
وكان حرياً بالحكومة العراقية لتثبت وطنيتها أن تنأى بنفسها عن الثأرية العشائرية والطائفية البغيضة وتوسع حساباتها السياسية, إذ لا ينبغي لقرار الإعدام, أن يعدم ما بقي من فرص المصالحة, وما كان يؤمل من فتح صفحة جديدة يحرم فيها نبش القبور وإشعال فتيل الأحقاد وكل ما من شأنه إعادة المنطقة مئات السنين الى الوراء.
وإذا كان من سعى لتنفيذ حكم الإعدام بصدام بسرعة قصوى في أول أيام الأضحى, قد حكمه منطق الثأر, فإن من أعطى الضوء في أميركا حكمه منطق السياسة الهادفة الى تأجيج الصراع الأهلي لبسط مزيد من السيطرة.


 
بالاتفاق مع الكفاح العربي