«وجع» لؤي شانا على مسرح القباني

10-06-2015

«وجع» لؤي شانا على مسرح القباني

مرةً أخرى تقع العروض السورية الجديدة في مشكلة عدم التمييز بين الواقع الفني والواقع الموضوعي؛ مستنجدةً في عرض «وجع ـ مسرح القباني 6 15- حزيران» بنص «عطيل» لشكسبير وقصة هذا الأخير عن لوثة الغيرة الجنسية لدى الأمير المغربي بعد زواجه من «ديزدمونة» أجمل أميرات البندقية؛ والتي لاقت مصيرها كما هو معروف بالقتل ظلماً على يد زوجها في المأساة الشكسبيرية بعد دسيسة مدبّرة.
«وجع» الذي أعدَّه وأخرجه الفنان لؤي شانا للمسرح القومي بدمشق؛ استعاد أحد أهم مآسي الكاتب الإنكليزي؛ مفتتحاً هذه التجربة بعرض مقاطع مطوّلة من فيلم «عطيل» رائعة «المخرج الأميركي «أوليفر باركر»؛ ليمضي بعدها برقص مع الظلال أداه «محمد شباط» في دور «عطيل» ليكون بمثابة فاتحة للحالة الهذيانية التي وصل إليها الأمير الأسمر قبيل قراره بإنهاء حياة الحسناء الراضخة «ديزدمونة ـ هبة محمد».محمد شباط وهبة محمد في لقطة من عرض وجع
لكن وفجأة يتوقف كل شيء؛ الموسيقى الطقسية المرافقة لمشهد القتل، وأنفاس الزوجين المضطرمين؛ والإضاءة الغبارية الصفراء؛ لتتدخل «إميليا ـ زوجة ياغو ـ ثراء دبسي» فتوقف جريان النص الشكسبيري؛ مبدلةً من تدفق الحدث؛ مخاطبةً مخرج العرض في الكونترول بأن يوقف هذه «الجريمة»، وأنها لن تكمل العرض ولن تسمح بقتل «ديزدمونة» الطاهرة مجدداً وتردف: «مآسي شكسبير لا تساوي نقطة من أوجاع سوريا، نريد نصاً آخر يحكي آلام السوريين..».
مفارقة مدبّرة في الأصل للإحالة على السيرك الدموي الدائر، لكنها تركت الباب مفتوحاً على الإنشاءات وجمل شعرية مقتبسة؛ جعلت الجمهور حائراً بين مستويين من العرض؛ الأول قدم المأساة بشكل كاريكاتوري، أقرب إلى أسلوب المسرح داخل المسرح، لا سيما حين دمج «شانا» بين حوارات باللغة الإنكليزية وأغنيات الكندية «لورينا ماكنيت» على لسان «ديزدمونة»؛ وبين مقاطعات تقنية من غرفة الكونترول لافتعال مأزق إضافي؛ مرةً بإطفاء أنوار الصالة، ومرةً بتشغيل موسيقى صاخبة للتغطية على خروج ممثلة عن النص المكتوب؛ لكن كل ذلك باء بالفشل؛ فالموقف مصنّع بطريقة تبعث على الأسف.
زاد الطين بِلة إصرار المخرج ومن معه «مخرج مساعد غادة إسماعيل؛ تعاون فني مضر رمضان» على إخراج الجمهور من الصالة، لإكمال العرض في بهو المسرح؛ حيث احتشدت جوقة من منشدين لأداء ترتيلة «شمس المساكين» للسيدة فيروز؛ وذلك من دون الإحالة لجمهور العرض بالخروج أو الاستعانة بإضاءة أو إشارة أو مفاتيح فهم كي يتمكن الحضور من فهم ما يحدث أمامه.
محاولة يائسة لتبرير قحط المخيلة وضمورها في سنوات الحرب؛ واستجداء الجمهور إلى بكائية واستعطاف في غير مكانهما؛ فليست نصوص شكسبير هي السبب وراء الهجاء الذي يوجهه العرض لها، بل هو عدم قدرة القائمين على «وجع» على فهم مهمة الدراماتورج في العروض المعاصرة.
مهمة تنطوي في خطها العريض على فن الإنشاء الدرامي، ووضع سياقات سياسية وثقافية واجتماعية جديدة للنص، من أجل إعداده لفرجة راهنة وطازجة؛ فحتى نصوص عصر النهضة الأوروبية يمكن الاستعانة بها للإسقاط على تذابح الأخوة واقتتالهم؛ وليس التعريض في «وجع» بسمعة نصوص شكسبير بهذه الخفة؛ سوى مؤشر على ضعف موهبة في تطويعها درامياً.


سامر محمد إسماعيل

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...