إبراهيم هنانو VS ماكسميليان روبسبير

01-04-2015

إبراهيم هنانو VS ماكسميليان روبسبير

في تشرين الأول 1919 قرّر ابراهيم سليمان هنانو الانسحاب من المؤتمر السوري، وأعلن الثورة على المحتل الفرنسي في شمال سوريا. لم يكن هذا الفعل الثوري الأول في حياة الرجل، فبعدَ إتمامه مرحلة التعليم الثانوي حاول والده منعَه من إكمال تعليمه العالي لأن «ابن الآغا ليس بحاجة إلى التعليم». لكنّ الشاب رفض ذلك المنطق، وأخذ أربعة آلاف ليرة ذهبية (هي نتاج محاصيل أراضيه الزراعية) دون رضا والده وسافر إلى الآستانة، حيث التحق بالكلية الملكية الشاهنية للحقوق والإدارة.

بعد انسحابه من المؤتمر، كان أول عمل بارز قام به هنانو أنه جمع أثاث بيته وآلاته الزراعية وأحرقها معلناً بذلك بداية الثورة. قبلَ ذلك بنحو قرنين، اشتهر في فرنسا حقوقيٌّ من نوع آخر، كان اسمه ماكسميليان روبسبير. الأخير تحوّل إلى واحدٍ من أبرز الشخصيات الفاعلة في مسار الثورة الفرنسية، وانتُخب رئيساً لـ«المؤتمر الوطني». «الثائر» روبسبير الذي يُعتبر رأس الجمهورية الفرنسية الأولى قاد عهداً عُرف بـ«عهد الإرهاب» وكان أبرز إنجازاته أنّه أعدمَ نحو ستة آلاف شخص في ستة أسابيع! وإذا كانت الفوارق بين النموذجين الثوريين أوضحَ من أن تُعرّف، فالثابتُ أنّ «الثوّار» الذينَ حطّموا تمثال الأول بما يمثله من رمزية إنّما كانوا ينتصرون للنموذج «الروبسبيري» بالغريزة. وفي ظلّ رواج أنباء مفادُها أنّ «مُحطّمي تمثال هنانو ظنّوا أنهم يحطمون تمثالاً لحافظ الأسد»، فالمؤكّد أن هؤلاء لم يسمعوا بروبسبير أصلاً. لكنّهم سمعوا على الأغلب بعض «المُفكرين الثوريين» الجدُد وهم يُعلون شأن الثورة الفرنسية، ويعتبرونها مثالاً على أن العمل الثوري «لا يمكنه أن يكون أفلاطونيّاً»، وأنّ «الأخطاء لا بدّ منها، ولا بأس فيها»، فـ«المعوّل على النتائج». والحالُ أنّ هؤلاء المُنظرين هم القاطعون الفعليّون لرأس تمثال هنانو، كما لرأس تمثال أبو العلاء المعرّي قبلَه. لا حاجةَ إلى إعادة تأكيد المؤكد، والتكرار دائماً أنّ الواقع السوري قبل 2011 كان يستحقّ ثوراتٍ، لا ثورةً واحدةً فحسب. لكن، إذا صحّ التسليم بأنّه «ما من ثورة نظيفة»، فإنّ ذلك لا يعني بحال من الأحوال أنّ ما حدثَ قبل أكثر من مئتي عام قابلٌ للتطبيق اليوم! إلّا إذا كان الهدف المنشود النكوصَ بالعقل البشري قرنين إلى الوراء، قفزاً فوقَ كلّ ما راكمَه الوعي المعرفي من قيمٍ ومفاهيم. المفارقةُ أنّ عدداً غير قليل من «المفكرين والمُنظرين الثوريين الجدد» دأبوا على المسارعة إلى استنكار أي فعل مشابهٍ، سواء طاول البشر أو سوى ذلك، وكأنّ الاستنكار كفيلٌ بتقديم صكّ براءة أخلاقيّة. أو كأنّه كافٍ ليمحو حقيقةَ التبرير المسبق لكل الجرائم المماثلة بمجرّد الترويج سلفاً لمفاهيم من قبيل «ليس مطلوباً من الثورة أن تكون نظيفة». لكن مهلاً، كلّ ما تقدّم سيغدو بلا أدنى قيمة حين يتّضح أنّ «مُحرّري إدلب» لم يتعاملوا مع نصب الزعيم بوصفه تمثالاً، بل بوصفه «صنماً وثنيّاً»، لتكونَ المسافةُ الزمنية التي ستنقلنا «آلة الزمن الثورية» عبرَها أكبر بكثيرٍ من المائتين.
أشهرٌ قليلة تفصلنا عن الذكرى الثمانين لوفاة الزعيم السوري الكبير الذي توفي في تشرين الثاني 1935، من دون أن يرى حلمَ الجلاء وقد تحقّق. وللمفارقة، ندخل اليوم شهرَ الجلاء. للمفارقة أيضاً، كانت محكمة عسكرية فرنسيّة قد أصدرَت حكماً ببراءة ابراهيم هنانو من جرم «تشكيل عصابة من الأشقياء»، مقدّمة إقراراً ضمنيّاً بشرعيّة ثورته، حدث ذلك في 18 آذار لكن عام 1922!


هامش: كُتب على قبر روبسبير: «أيها المارُّ من هنا لا تحزن على موتي، فلو كُنت حيّاً لكنت أنت ميتاً».

صهيب عنجريني 

المصدر: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...