الأزياء هي الوجه الشفاف للمجتمع والمرآة التي تعكس ثقافة الناس

27-02-2015

الأزياء هي الوجه الشفاف للمجتمع والمرآة التي تعكس ثقافة الناس

أقف مطولا أمام خزانة ثيابي، أحتار ماذا أرتدي، أحمل القميص الأحمر، أضعه على جسدي، لا يعجبني، أعيده الى مكانه. التنورة الدنتيل أنيقة ولكن لونها القاتم يبعث فيّ شعورا بالقلق، أعلقها مجددا. الفستان الجديد قصير بعض الشيء ولا يناسب هذا النهار الممطر. لا أعرف ماذا ألبس وخزانتي في حالة فوضى، مكتظة، لا تتسع لكل هذه الثياب. أفكر في ترتيبها، أستبعد الفكرة كليا، فبعد يومين او أقل ستعود الى حالها. ما الفائدة من كل هذه الثياب؟ أتساءل. يكفيني بنطال وقميص لأكون بخير، لأخرج الى الطريق وأتحدث مع الناس وأعيش أيامي ببساطة. أجلب صندوقا كرتونيا أرمي فيه ثيابا جديدة صارت بفترة قصيرة خارج الموضة، وثيابا مر وقت طويل دون ان أرتديها وأخرى أبدو فيها بمظهر لافت كما يقول زوجي غاضبا في كل مرة أقرر ان ألبسها. امتلأ الصندوق. أشعر بالارتياح!
كوكو شانيل مصممة الأزياء المعروفة وصاحبة واحدة من أعرق بيوت الأزياء في العالم تقول: «الموضة تتغير ولكن على ذوقك ان يظل واحدا» وتقول ايضا: «ان أفضل لون في العالم هو اللون الذي يبدو رائعا عليك». ولكن يا كوكو لوننا المفضل هو لون الواجهات، وذوقنا يتغير مع تغير الموضة، نحن نتأثر بها، بخطوطها، بألوانها وبسحرها، فهي التي تحدد الجديد والدارج والأجمل، وبخفة وذكاء ودون إذن منا تقنعنا بأن الذي نملكه صار قديما ومترهلا لا يليق بِنَا ولا بهذا الوقت. هي التي تتحكم بِنَا، تغرينا وتدفعنا الى شراء كل هذه الثياب. كأن آخر يجرنا الى المحال. كأن فكرة تظل تصر وتوسوس في أذهاننا الى ان تمد يدها الى جيوبنا وتشتري بما تبقى من المال ثيابا على قياسنا وبحجم ذوقنا. هل الموضة هي منظمة عالمية سرية لها أجهزتها وخططها وأساليبها وعملاؤها؟ هل آدم وحواء، حين اكتشفا شهوتهما وغطياها بورقة التوت، وضعا أول خطوط لصناعة الملابس؟
 الأزياء هي الوجه الشفاف للمجتمع، هي المرآة التي تعكس ثقافة الناس وسلوكهم وأفكارهم وأحلامهم ايضا. هي وسيلة للتواصل مع الآخر ومعرفته وتقييمه وتصنيفه وبالتالي فهمه وتقبله أو رفضه. فعلى القماش يطرز تاريخ الشعوب وفي عديد ألوانه تختصر أمزجتهم وانفعالاتهم، وفي الرسومات تتجسد خيالاتهم وتوقعاتهم. وهي الصورة الصادقة عنهم التي تعبر دون قصد عن جوهرهم وعقائدهم وإيمانهم. لها صلة بالسائد، من تيارات فنية وثقافية وسياسية ودينية واجتماعية.‏‏ وان لم يكن للأزياء عين ولا يسمع لها صوت فإنها عالم متكامل يسكن فينا ويحرك بحواسه حواسنا جميعها فيحررنا من شتى انواع التسلط والهيمنة ليعود ويسجننا بين أقمشة وألوان وتصاميم تحدد جودة وطزاجة وجمال ما نلبس!
هل فكرتم يوما بأن الأفكار والعقائد والأديان والجوانب النفسية والفلسفية والمبادئ الإنسانية والسلوك الاجتماعي وحالة الطقس جميعها تشارك في تصميم وتنفيذ وخياطة أثوابنا؟ المصممون المبدعون الخلاقون ليسوا سوى يدها، هم الذين بخيالهم الأخاذ وأياديهم البارعة في الرسم والقص والخياطة يحولون مساحات من القماش الممتد بلا شكل ولا معنى، الى جسد له حدود البيئة التي ينتمي اليها. فإما ان تكون رحبة وإما ضيقة وإما جدية وإما مرحة وإما متشائمة وإما متفائلة، وإما باردة وإما دافئة، وفي كل الحالات يغطون الأجساد بلوحة يكتبون عليها قصة، يروونها على دفعات. من يلهمهم وما هو وقودهم؟
 القماش والمرأة
 يقول عبد محفوظ، المصمم اللبناني والعالمي المعروف: القماشة والمرأة هما الثنائي الذي يلهمني، فحين أرى القماشة ويعجبني ملمسها وتجذبني ألوانها، ترسم في خيالي صورة الثوب الذي ستكونه. فأقصها وأخيطها وأزينها قبل ان أشتريها حتى. وحين أرى المرأة أصمم على جسدها الفستان الذي يليق بها، دون ان تتفوه وقبل ان أعرف ماذا تريد. عبد محفوظ الذي تربى في عائلة متواضعة، الأم تخيط مراييل المدرسة والثياب لأولادها، والذي كبر على صوت مكنة الخياطة وتغذى من رائحة القماش والخيطان، لم يكن يعرف بأنه سيصبح مصمما للأزياء. يقول: «كان حلما وحسب، ولكني عملت بجهد وصبر وقناعة بأنني سأصير ذات يوم مبدعا في هذا المجال واسما لامعا في عالم الموضة، ومن دون دعم ولا شريك ولا مساعدة من أحد وصلت. لطالما كنت قوي الملاحظة، أنصت اكثر مما أتكلم، أهتم بالتفاصيل». عبد محفوظ يعتبر العمل في لبنان مضنيا ومتعباً ولا قمة فيه، ويراه بلداً يغار من مواهب أبنائه فيحدها ويحاربها. لذا خرج الى العالم من روما، بلد الفنون والموضة والأزياء. «هناك حيث لا أحد يسأل عن هوية الانسان ودينه وسياسته بل عمله هو الذي يحدد هويته».
جويل خوام مصممة أزياء عملت مع مصممين لبنانيين عالميين معروفين، اكتسبت خبرة لا يستهان بها وتعمل الآن لحسابها الخاص، تؤلف مجموعاتها بحنان واطمئنان كأنها أم تهتم بأطفالها، أزياؤها تشبهها ولا تكترث لما يحدث خارج هذا الشغف، هي لا تحب كثرة اللمعان في التصاميم اللبنانية والعربية. تفضل البساطة التي برأيها تختصر الرقي والجمال. عن من يلهمها لتبدع وتبتكر تقول جويل: «عيناي مفتوحتان دوما، أرى كثيرا وألاحظ كل التفاصيل، أستوحي من أي شكل يحيطني وأي موقف أتعثر به. هذا عمل مضن ومتعب ولكني أتمتع به كثيرا، قد تستوقفني شجرة أو غيمة وقد تلهمني وردة أو باب أو ثريا. أعتبر أن العمل في مجال الموضة من الأعمال الأكثر ضرورة على الإطلاق، ان أصنع أثوابا للناس، الذين لن يكفوا يوما عن اللباس. أرسمها وأفصلها وأقصها وأخيطها وأحولها لثوب يدفئ نبضا وحياة، انه لعمل إنساني عظيم!».
عوامل كثيرة
 شراء الثياب يبعث عند الكثيرين شعورا بالفرح، والتجدد والاطمئنان، ولكن الموضة التي تحدد لون وشكل وملمس ما سنلبسه في المكان والزمان المناسبين، تركض كأنها في سباق مع موضة أخرى على كوكب آخر. فلا يبهرنا ثوب على الواجهة فنشتريه لنلبسه إلا بعد وقت قصير نضعه جانبا لنشتري آخرَ له شكل ولون مختلف وجديد. يقول مصمم الأزياء اللبناني جميل الخنسا: «ليس هناك مافيا أو قوة خفية تحسم موضوع الموضة، بل عوامل كثيرة تلعب دورها. اولا الشركات التي تصنع الأقمشة في العالم وتتاجر بها هي التي تحدد اللون ونوع القماش للموسم، يجتمع المصممون من كل أنحاء العالم ليشتروا ما يعرض، هكذا تتوحد الألوان والأقمشة ويبقى على المصمم أن يبتكر من القماش الزيّ المناسب للمرأة المناسبة. ثانيا دور الأزياء العالمية، التي تبتكر التصاميم الجديدة وتعرضها على الجمهور فيتلقفها الأخير بالكثير من الإعجاب والحب بمجرد انها تحمل اسما مهما ومعروفا. ثالثا عالم الموضة مثله مثل كل العوالم التي نعيشها والتي صارت بفعل التكنولوجيا سريعة الخطى كأنها تخاف ان يسبقها الموت. ولكن مهما أسرعت وأبطأت وتغيرت وتبدلت الموضة فليست سوى حلقة تدور حول نفسها». جميل الخنسا تلهمه بالإضافة الى القماش والمرأة أشكال كثيرة قد لا تعني الكثير من الناس، كغيمة تتشكل، كعفن السقف يتلون بفعل الرطوبة، كالتفل الذي يرسم فنجان قهوة فرغ لتوه.
ثلاثة مواسم
 الأمر الأكثر شجاعة ان تترجم أحاسيسَك أفكارُك ومهما تزينت او تشوهت ان تكون على صورتك، الأمر الأكثر شجاعة ان تعبر عن افكارك بصوت عال. مهدي قميحة مصمم أزياء شاب وجديد في هذا العالم، درس التصميم بشغف وجد، عمل مع العديد من المصممين، وبالرغم من محاولات عائلته الكثيرة نهيه عن هذا العمل الذي يرونه غريبا عنهم وفيه أنثوية عالية لا يريدونها ان تنتقل لابنهم الشاب، إِلا انه ثابر وأصرّ وحقق ما يريد. هو الآن بمكانه الخاص المليء بأشيائه الخاصة، قماشات ومقصات وإبر ومكنات خياطة، فساتين جاهزة وأخرى ما زالت تنتظر معلقة هنا وهناك. يقول مهدي: «عالم الأزياء مزيج من كل الفنون، يتطلب العمل فيه الكثير من الدقة والصبر والوقت، مصمم الأزياء يولد بهذه الموهبة. العمل لإرضاء النساء لو تمكنت منه ونجحت ستكون المهني الأكثر تحملا وشهرة ونجاحا».
قال وزير التجارة الفرنسي: «الماركات العالمية هي أكبر كذبة تسويقية صنعها الأذكياء لسرقة الأثرياء فصدقها الفقراء». اذاً هل صدق الفقراء هذه الكذبة، وهل يمكنهم شراؤها لو صدقوها؟ هل الأزياء عالم الأغنياء، والموضة خلقت لهم وحدهم؟ وهل الموضة مرتبطة بالضرورة بالماركات العالمية ودور الأزياء الكبرى، أم هي متصلة بشيء آخر أكثر قربا والتصاقا بالشارع وبالناس، بالحاجة وبالراحة وبصفات تميز الشخصية؟ وهل من يملكون المال بالضرورة هم أغنياء؟ أراد جورجيو آرماني ان يُلبس المرأة التي تعيش وتعمل وليس المرأة المصورة في لوحة فنية، ولكن هل تستطيع المرأة التي تعمل لتعيش ان تلبس من تصاميم أرماني؟ ايف سان لوران المصمم العالمي المعروف يقول: «لقد تعلمت مع مرور السنين ان اهم ما في الفستان ليس تصميمه او لونه او سعره بل المرأة التي تلبسه». والمرأة التي يختارها المصممون بمقاييس محددة ودقيقة جدا، عارضة الأزياء، والتي لا تشبه المرأة العادية، يظن الكثير منا ان مهنتها سهلة ومسلية ومربحة، وبأنها بجمالها الفائق وجسدها المنحوت ومشيتها المغناج على المسرح لا ينقصها شيء من السعادة والحبور. ولكنهم يجهلون حقيقة مخبأة وراء الأضواء والماكياج والخطوة الرشيقة. اختصرت نتالي فضل الله، عارضة الأزياء اللبنانية المعروفة وصاحبة وكالة لعرض الأزياء كل ما قد يقال عن مهنة عرض الأزياء: «هي من المهن الصعبة والمؤقتة. مؤقتة لأن دور الأزياء تبحث عن العارضات الصغيرات في السن عادة، فتستبعد الأكبر سنا والأكثر خبرة إلا في حالات نادرة مع عارضات مميزات للغاية. وقد تبين ان معدل عمل العارضة لا يتجاوز الثلاثة مواسم. ومهنة صعبة لأن العارضات قد يتعرضن بسبب الحمية القاسية المفروضة عليهن خوفا من زيادة الوزن الى مشاكل نفسية قد تصل للاكتئاب. إضافة الى ان الرواتب ليست عالية، في لبنان خصوصا، فتضطر العارضة لأن تعمل في مجال آخر لتعيش بشكل أفضل». نتالي التي نضج جسدها باكرا فبدأت بعرض الأزياء في الحادية عشرة من عمرها، كانت أصغر عارضة في العالم، عملت مع كبار المصممين اللبنانيين ومشت على المسرح زمنا، ما زالت تهتم بجسدها حتى هذه اللحظة، هي مخلصة له كما كان لها دوما. وبالرغم من ان مجتمعاتنا الشرقية ما زالت الى الآن لا تتقبل مهنة عارضة الأزياء، وبالرغم من كل ما قيل وما يقال في لبنان والعالم العربي عن هذه المهنة، نتالي فضل الله لا ترى نفسها خارج هذه الأضواء، وتشرح بأن علاقتها الحميمة والصادقة مع جسدها، صديقها وشريكها في التجربة، تحتم عليها ان تُعيش معه شغفها وان لا تخدعه وتُخضع نفسها لأفكار مستوردة لا تشبهها، هي لا تندم على اختيارها لهذه المهنة، بل متمسكة باحترافها الى أقصى الحدود.
في البدء كنا عراة، بأجساد حرة طليقة، كبرنا وكبرت عقدنا وقوانيننا والمحرمات. ما نغطي فيه أجسادنا لا يتعلق بذوق أو فكرة طارئة، إنما هو أكثر وأعمق من ذلك، تقول نازك الملائكة: «قد يبدو لأول وهلة ان الزيّ عَرَض خارجي لا يرتبط بأعماق الإنسان، غير أنني لست من أنصار هذا المذهب، إنما أدين بأن كل مظهر من حياة الانسان مرتبط بصميم روحه، فالحياة مترابطة موحدة لا يمكن تجزئتها».

لوركا سبيتي

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...