سوريه..كيف وقعت الجريمة ضد الإنسانية ؟

14-02-2015

سوريه..كيف وقعت الجريمة ضد الإنسانية ؟

الجمل- *كاليب ماوبين- ترجمة: رندة القاسم:
لا يمكن لأحد الادعاء بأن سوريه قبل 2011 كانت جنة سحريه، فكحال معظم دول العالم ، كان هناك اختلافات حول الآراء السياسية و سياسة الحكومة. و الكثير من السوريين كانوا يدعمون حزب البعث أو أحد الأحزاب التي في صفه، بينما يدعم آخرون قوى سياسية أخرى. و بالتأكيد كان لدى السوريين انتقاد لطريقة عمل المجتمع، مع انتشار إجماع على ضرورة القيام ببعض الإصلاحات في البلد لتتماشى الدولة مع الاقتصاد العالمي المتغير.
و لكن قبل 2011 ، نادرا ما كان السوريون يقتلون أنفسهم . و كان بإمكانهم التجول  في شوارع  حلب و دمشق دون توقع انفجارات أو نيران قناصة. و كانوا  يعثرون على الطعام فوق رفوف المحال التجارية دون أن تكون مدنهم تحت الحصار. لم يعش السوريون الخوف من تعرض أطفالهم للخطف مقابل الفدية أو تفجير مدارسهم من قبل مجموعات دينية متطرفه.
ما حدث لسوريه بين عام 2011 و اليوم لايقل عن كونه جريمة ضد الانسانيه. اذ خلق تمرد وحشي و تم تمويله، و تم دعم و إطالة أمد حرب أهلية شنيعة ، حرب ما كان يمكن أن تقع لولا رعايتها من قبل قوى أجنبية سمحت لها بأن تتطور لتغدو أكبر أزمة إنسانيه في عصرنا.
و ما حدث ليس مجرد صدفة، و هو  ليس مثالا آخر عن نقص الطبيعة البشريه. فكحال الابادة البلجيكية في كونغو، و الهولوكوست في ألمانيا النازية، هو عمل متعمد قامت به قوى تتعمد إلحاق الأذى  و الضرر بضحايا أبرياء عاجزين.
كيف تمت تلك الجريمة ضد الانسانيه؟
1- حملة اعلامية مضللة:   منذ بدء القتال عام 2011، و وسائل الاعلام الغربية تنشد لازمة "الأسد يجب أن يرحل". و قامت كل من FOX و MSNBC و BBC بنشر ادعاءات "المعارضة" دون سؤال، في وقت تجاهلت أفعال المتمردين المسلحين المعادين للأسد. و كانت رواية وسائل الاعلام الغربية حول "الثورة السوريه" من أجل "حقوق الانسان"، و صورت الحكومة السورية على أنها قمعية و مستبدة، بينما بدا المتمردون مقاتلي حرية خيرين و رومانسيين.
2- خلق مناطق قاعدة للمتمردين:   سمحت تركيا و الأردن، حليفتا الولايات المتحدة، للمتمردين بالعمل على ترابهما و استخدام حدودهما للعبور الى سوريه. و أضحى مخيم الزعتري في الأردن، الممون بشكل جيد من قبل الأمم المتحده، مركزا تطويعيا للمتمردين السوريين. لقد استخدموه من أجل التجمعات السياسية و التجنيد. و قام الجيش الأردني بتدريب المتمردين. و على الحدود التركية ، أسست مجموعات متمردة متنوعة مناطق قاعدة لانطلاق العمليات.
3- توفير السلاح و التمويل:  بدأ تمويل المتمردين من قبل  الأنظمة الموالية للولايات المتحدة في المنطقة. اذ قامت الأردن و تركيا و السعودية و قطر و عمان و الامارات العربية المتحدة بتزويد المجموعات المتمردة بالمال و السلاح،  و سريعا ما انضمت اليهم الولايات المتحدة و فرنسا و بريطانيا. و تدفق الأموال من الدكتاتوريات الموالية للولايات المتحدة الى ارهابيي سورية كان مستمرا، و التأثير مشابه لما يحدث عندما تصب برميل بنزين على شعلة نار صغيرة، اذ توسع صراع صغير بشكل مضاعف. و الى سوريه ذهب السيناتور الأميركي جون ماكين و مسؤولون أميركيون آخرون رفيعو المستوى للقاء المجموعات المسلحة. و من الواضح للجميع أن العامل الأساسي في هذا الصراع يكمن في تدخل القوى الأجنبية  التي تملك تاريخا في معارضة الحكومة السوريه.
4- تجنيد مقاتلين أجانب: الكثير من قوى التمرد الساعية لإسقاط الجمهورية العربية السورية غير سوريه على الإطلاق. فشبان من الأردن و قطر و ليبيا و دول أخرى عديدة وجدوا بين المتمردين، و تم اعتقال متطرفين تكفيريين من بلدن بعيدة مثل ماليزيا. و أكدت الأمم المتحدة أن المتمردين السوريين يقومون بشكل فعال على تطويع جنود أطفال للمساهمة في جهودهم، و الكثير من هؤلاء الأطفال قدموا من بلدان بعيدة. و زود  أطفال فقراء من العالم العربي و أماكن أخرى بالسلاح و المال و مبادئ دينية ثم نقلوا الى سوريه للمشاركة في "حرب مقدسة " ضد الحكومة.
5- تهديد القوة العسكرية ضد الحكومة السوريه: عام 2013 هددت الولايات المتحدة بتدمير سوريه بصواريخ كروز، اذ استغلت ادعاءات من قبل الاعلام الغربي حول استخدام أسلحة كيماوية لتبرير التهديد بضربات عسكرية أميركية. و بعد سلسلة من الاجراءات الدبلوماسية من قبل روسيا و الصين، لم تقم الولايات المتحدة و الناتو بالهجوم. و أجبرت سوريه على تسليم سلاحها الكيماوي و الانضمام الى منظمة حظر السلاح الكيماوي. و لكن القوى المتمرده لم تجبر على تسليم سلاحها الكيماوي، و الذي استخدمته عدة مرات وفقا لتقرير كارلا ديل بونتيه للأمم المتحدة.
6- اختلاف "المعارضه" : المعارضة السورية تتصف بأي شيء عدا أنها متحدة. الجيش السوري الحر، جبهة النصرة، الدولة الإسلامية ، و الكثير من الفصائل التي لا تحصى ، تتلقى الدعم من حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الوسط. و هذه الفصائل لا تقاتل الحكومة السورية فحسب، و لكن تقاتل بعضها البعض أيضا. فعندما يسيطر المسلحون على منطقة لا يحل السلام وفقا للنظام الجديد بل المعارك بين مجموعات متمردة متناحرة تملك فهما مختلفا للفكر التكفيري السني.
7- ضربات جوية اسرائيليه: شنت اسرائيل  هجمات عسكرية ضد سوريه. هذه الضربات الجوية استهدفت الحكومة السوريه و كذلك متطوعين من حزب الله اللبناني قدموا الى سوريه لمساندة الحكومة السوريه.
نتائج كل هذه العوامل مجتمعة تمثلت بمقتل مائتي ألف شخص على الأقل و هروب أكثر من ثلاثة ملايين كلاجئين. و أضحت الحياة في سوريه لا تحتمل بالنسبة لمعظم سكانها. و الى متى سيستمر ذلك؟ فالناس تموت كل يوم. و الحرب المصنعة يطال أمدها.
الذي يحدث الآن لا علاقة له على الإطلاق بالاحتجاجات ضد الحكومة السورية خلال الربيع العربي 2011. هذه الأحداث الآن إضافة تاريخية، فالتمرد الواقع بشكل ساحق تحت سيطرة متطرفين مسلحين، لا تلاميذ علمانيين مؤيدين للغرب، يحاول إسقاط الجمهورية العربية السورية.
عملت الولايات المتحدة و بريطانيا و فرنسا على شيطنة القائد السوري بشار الأسد بالدعوة الى "الديمقراطية".غير أن القوى التي وقفت الى جانبها ضد سوريه ليست ديمقراطيه، و تقريبا كل المجموعات المتمردة السوريه تدعو لخلق حكومة دينية أوتوقراطية. و الأكثر من ذلك، قائمة حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عبارة عن مجموعة من أكثر الأنظمة قمعية و دكتاتورية على وجه الأرض. فالمملكة السعودية تضرب أعناق الناس يوميا و غالبا بسبب جرائم مثل "اهانة الملك" أو "الشعوذة". و هناك ممارسات مشابهة في الأنظمة الاستبدادية في عمان و الإمارات العربية المتحدة و قطر و الأردن.
و بينما ادعى القادة الغربيون بان الانتخابات السورية الحديثة ليست شرعية، تجاهلوا عدم وجود انتخابات على الإطلاق في السعودية و مملكات ديكتاتورية أخرى حليفة للولايات المتحدة.
سورية بلد ذو غالبية سنية، و لكن يوجد أيضا مسيحيون و علويون و مجموعات دينية أخرى تمارس حريتها الدينيه. و اذا انتصر المتطرفون ستختفي حرية العبادة هذه . و المقاتلون السوريون المعادون للحكومة يرددون دائما عبارة " الموت للعلويين و طرد المسيحيين" في كل اجتماعات و مظاهرات لهم. و في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم يضربون أعناق الناس بسبب الإساءة للدين أو التفوه بكلمات تعارض المجموعة المتطرفة العنيفة المسيطرة.
تنتشر صورة وجه بشار الأسد عبر المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة الحكومة، و الرئيس الأسد أضحى رمز سوريه التي كانت يوما موجودة، حين لم تكن البلد مقسمة من الحرب. و انضم للجيش العربي السوري الدفاع الوطني و متطوعون من حزب الله في القتال ضد متمردين مدعومين من الخارج.
الجريمة لاتزال مستمرة كل دقيقة، و متطرفون ارهابيون مخبولون يشقون طريقهم عبر سوريه في اللحظة التي تقرأ بها هذه الكلمات. و تدفع أجور أسلحتهم و تدريبهم العسكري و نقلهم من أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة و بريطانيا و فرنسا و كذلك السعودية و قطر و عمان و الأردن .
لقد دمرت مشافي و مدارس و جوامع و كنائس ، واختطف أطفال و ذبح مواطنون أبرياء.و يجبر الناس على الهرب من منازلهم، و يعذب الأسرى و تقطع رؤوسهم.
الى متى سيستمر هذا؟ الأخلاق الإنسانية الأساسية تقول بوجوب اتخاذ عمل لايقاف ما تقوم به واشنطن و لندن و تل أبيب و وول ستريت في سوريه. فجريمة ضد الانسانية ترتكب الآن، و يجب القيام بشيء ما.


*صحفي و محلل سياسي أميركي.
عن مجلة New Eastern Outlook الالكترونيه

الجمل

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...