مغامرة سيناريو «نهاية رجل شجاع»

استنتجت قبل سنوات طويلة أن النصوص ثلاثة: نص يقول شيئاً جديداً بشكل جديد، ونص يقول شيئاً جديداً بشكل قديم، ونص يقول شيئاً قديماً بشكل جديد. وكل ما عدا ذلك لغو. ولأنني أعتبر التكرار ضرباً من الموت، أكتشف الآن أن الكتابة عن حنا مينه تكاد تكون محنة بحق، فما لم يقله حنا مينه في رواياته ومقالاته وحواراته حول أدبه وشخصه، قاله النقاد عنه في بحوثهم ودراساتهم، وهذا ما يجعل الكتابة عنه دون الاتكاء على ما قاله أو قيل فيه أمراً في منتهى الصعوبة.
لن أحدثكم كيف تحوّل حنا مينه من حلاق فحمَّال في ميناء اللاذقية إلى بحار، ولا كيف استسلم لنداء اليابسة وعمل مصلّح دراجات هوائية، ثم عاملاً في صيدلية، فجليس أطفال في بيت إحدى العائلات الثرية. كما لن أتوقف عند الظرف الذي جذبه لضوء الحرف، ولا كيف صار إلى دمشق حيث تحول من "عرض حالجي" الى صحافي لامع في جريدة الإنشاء التي سرعان ما صار رئيساً لتحريرها.
كما لن أتوقف عند تجربته في كتابة المسلسلات الإذاعية باللهجة العامية. ولن أصوِّر لكم كيف تفتح عن روائي قدير بصير، متمكن من لغته وأدواته الفنية، ليحجز لنفسه مقعداً دائماً في صدارة المشهد الروائي العربي؛ وليحقق شهرة غير مسبوقة في مشارق الوطن العربي ومغاربه كأمين سرٍ لعوالم البحر والإنسان.
لا شك بأن كل محطة مر بها المبدع حنا مينه في مساره الذي تمتزج فيه البهجة بالألم تستحق الوقوف عندها والانحناء لها والكتابة عنها، إلا أني سأتجاوز كل محطاته المعروفة لأقف عند نقطة من عالمه لطالما أبهرت بصري وأنارت بصيرتي، نقطة لطالما ساعدتني في لحظات القسوة الكثيرة التي مررت بها. ففي لحظات ما قبل الانهيار كنت ولا أزال أتذكر كلمات حنا فتحفزني على استنفار كل قواي الداخلية لأبقى واقفاً.
أكثر ما سحرني بصاحب "الشراع والعاصفة" الإنسان والروائي، هو اعتداده بشقائه وعدم خجله من فقره ومعاناته، بعكس كل الفقراء الذين أعرفهم، وقد كنت منهم قبل أن يحررني حنا مينه من ذلك الشعور.
قبل سنوات كتبتُ في دفتر ملاحظاتي: "بالصدق وحده يستطيع الكاتب أن يحوِّل فحم حياته اليومية إلى ألماس". والحق أن حنا مينه استطاع أن يحوّل فحم حياته اليومية إلى كلمات تعكس جوَّانيات النفوس كما يعكس الألماس الضوء، وهذا ما جعله يستحق عن جدارة لقب "كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين".

البحر
 لا يحب حنا مينه الشكوى حتى لسيجارته التي لا تكاد تنطفئ، لكنه عندما يلوذ بواحد من المقربين إلى نفسه قد يسرُّ له بأنه عاتب على الدنيا وقد يعبر له عن لومه لجسده الذي لم يعد يستطيع النهوض بأعباء نفسه الكبيرة، والحق أن الزائر الحصيف لبيت هذا الرجل يستطيع أن يلتقط ما سبق من خلال الأدوية المتناثرة، ومن خلال لوحة معلقة، كتب عليها بخط جميل بيتاً من شعر إلياس أبي شبكة: "ويا وطنا بالحب نكسو أديمه ويحرمنا حتى رضاه ويمنع".
يفتخر صاحب "الثلج يأتي من النافذة"، ويحق له ذلك، بأن معظم أعماله مبللة بمياه البحر الصاخب، بل إنه يتماهى مع البحر فيراه في نفسه ويرى نفسه فيه: "إذا نادوا: يا بحر أجبت أنا! البحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت".
ولأنه يعيش في دمشق التي يحب بعيداً عن البحر الذي يعشق فقد تمنى "أن تنتقل دمشق إلى البحر، أو ينتقل البحر إلى دمشق".
في الثامن من آذار المقبل سيكمل حنا مينه عامه التسعين وهذا يعني أنه الآن حيث لم يكن يريد أن يصل، فقد قال على لسان إحدى شخصياته:
 "لا تخافي .. لن أعيش طويلاً، ولا أريد ذلك ... لست يائساً، ولكن لا أريد أن أصير عجوزاً".
عاش حنا مينه حياته وهو يزاحم الموت بمنكبيه دون أن يهابه، لم يتجاهله يوماً لكنه لم يذعر منه، ولطالما عبّر مراراً عن رغبته به واستعداده له، بل إنه تبرَّم قبل سنوات من تأخر الموت عن الموعد الذي ضربه له، ففي وصيته التي كتبها في 17 آب 2008 يقول:
 "لقد عمرتُ طويلاً حتى صرت أخشى ألاَّ أموت، لقد كنت سعيداً جداً في حياتي، فمنذ أبصرت عيناي النور، وأنا منذور للشقاء، وفي قلب الشقاء حاربتُ الشقاء. عندما ألفظ النفس الأخير، آمل ألا يُذاع خبر موتي في أي وسيلة إعلامية، وأعتذر للجميع، إذا طلبت منهم أن يدعوا نعشي محمولاً على أكتاف أربعة مأجورين، فلا حزن، ولا بكاء، ولا لباس أسود، ولا تعزيات، ولا تأبين، فالذي سيقال بعد موتي سمعته في حياتي، وهذه العادات، منكرة، منفرة، مسيئة إلي، أستغيث بكم جميعاً، أن تريحوا عظامي منها".
في أحد لقاءاته يبوح حنا مينه بأن عمله كحمّال في ميناء اللاذقية هو الذي ألهمه كتابة رواية "نهاية رجل شجاع" التي قمت أنا بتحويلها إلى مسلسلٍ تلفزيوني من إخراج نجدة إسماعيل أنزور وبطولة أيمن زيدان وسوزان نجم الدين. وفي لقاء آخر يبوح مينه بأنه كان قد مزَّق الرواية بعد أن انتهى منها وأعاد كتابتها من جديد.
صحيح أنني قد قرأت جل ما كتبه هذا الروائي المبدع، وتأثرتُ به، لكن "نهاية رجل شجاع" تشكل الفضاء المشترك الأكثر حضوراً بين روحي وروح حنا مينه، لا لأنني أثناء كتابة السيناريو التلفزيوني عنها نقّبت في ظلال كلماتها وما وراءها ولم أترك تفصيلاً أو إشارة فيها إلا واستفدت منه، بل لأن ولادة السيناريو كانت عسيرة كولادة الرواية وربما أكثر. وهذا هو السر الذي أود أن أبوح لكم به. ولعله هو السر الذي أهَّل "نهاية رجل شجاع" لأن تكون حبل المشيمة التي تربطني بعالم حنا مينه الروائي. ولهذا قصة لا تخلو من ألم وطرافة.

حكاية
 في مطلع تسعينيات القرن الماضي كتبتُ سيناريو فيلم "كش مات"، وأطلعت الصديق إبراهيم ياخور على النص فأطراه وتحدث عنه على مسمع من الأديب الكبير حنا مينه، وهكذا طرح اسمي لكتابة سيناريو مسلسل "نهاية رجل شجاع". كنت ولا أزال أحب السينما ولا أحب التلفزيون لكنني كنت ولا أزال أحب حنا مينه، وقد تحمستُ للتجربة مدفوعاً بذلك الحب وهكذا بدأت بكتابة أول عمل تلفزيوني.
عندما بدأت بكتابة السيناريو عن "نهاية رجل شجاع" كنت أسكن في خيمة قرب الموقع الذي وضعت فيه أساسات بيتي في القرية. لم يكن ينقصني الاندفاع فكتبت خلال أربعة أشهر ثلاث عشرة حلقة، وذات يوم كنت أسقي غراس التفاح التي زرعتها تحت موقع البيت عندما رأيت ألسنة النار تتعالى من خيمتي كما لو أنها تطمح لأن تلعق سقف السماء، هرعت الى المكان لكنني كنت عاجزاً عن فعل أي شيء، فرحتُ أحوص كالممسوس إلى أن تحولت كتبي وثيابي وموسيقاي وفرشتي ومنضدتي ومسجلتي ومعها الحلقات المكتوبة من السيناريو، الى كومة من الرماد.
للحظات أحسست أن قلبي قد توقف أو كاد. فرحت أكلّم قلبي كالممسوس. قلت لقلبي: "أنت قلب طيب وأصلي وأنا أرجوك ألا تتوقف الآن". لم أكن أطيق أن أرى أحداً أو أسمع كلاماً من أحد وعندما رأيت غبار الموت على وجهي في مرآة بيت أخي المهجور الذي عزلتُ نفسي فيه أجفلت! خطر لي أنني قد مت فعلاً وأني أنظر الى وجه جثتي! لكنني سمعتُ صوتاً يصرخ بي: عليك أن تستعيد ما ضاع. وهكذا جلستُ إلى الطاولة التي يغطيها الغبار ورحت أكتب وأكتب حتى نمت فوقها من فرط الإنهاك.
كنت طائشاً هائجاً مستنفر القوى أدوّن بسرعة الحريق كل ما أتذكره مما غدا رماداً. كنت مشدوداً كوتر قبل لحظة انقطاعه، لدرجة أن شغاف قلبي بدأت تؤلمني من فرط التوتر. وقد شبهت نفسي في ما بعد بمن يقف على حافة جرف شاهق وهو يوشك على السقوط؛ الجاذبية تشده نحو الموت المحتم في الأسفل وقوى الحياة فيه تمسكه من أن يهوي. دامت هذه الحالة المحمومة أربعة أيام أو خمسة، لا أذكر، وعندما انتهيت من استعادة الحلقة الأولى أحسست أنني قد نجوت فنمت نهاراً وليلة.
صحيح أن حنا مينه قد أعلن في مناسبات عديدة أن "المرأة هي من صنعت تقدمنا الاجتماعي وليس الرجل" لكن "نهاية رجل شجاع" كرواية لا ينطبق عليها هذا الكلام، فالرواية تتمحور حول شخصية "مفيد الوحش" كبطل ذكر مطلق. ونظراً لأنني من أنصار المرأة فقد حولت شخصية "لبيبة" من عاهرة إلى خادمة، وعمقتُ شخصيتها ووسعت دورها لأجعل منها نداً لمفيد يشاركه البطولة وينافسه عليها. وقد أجبرتني الضرورات الدرامية على تغيير شخصيات وإضافة شخصيات أخرى وصياغة نهاية مختلفة للمسلسل لا أساس لها في الرواية. والحقيقة أنني خشيتُ أن يزعل حنا مينه مني بسبب ذلك، كما هي عادة كتاب الروايات عندما تحول أعمالهم إلى الشاشة. لكن الزوبعة التي أحدثها المسلسل عند عرضه غطت على كل شيء. وقد قال حنا مينه، في لقاء تلفزيوني: "سبق أن حُولت بعض رواياتي إلى السينما، فلم يكن من رضى. أما مع "نهاية رجل شجاع" فقد كان الرضى".
أستاذ حنا، اسمح لي أن أقبّل جبينك مرتين؛ مرة لإبداعك ورحابة صدرك، وأخرى لمناسبة عيد ميلادك التسعين.

حسن م يوسف

المصدر: السفير

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.