إضافة تعليق
أرسل من قبل أيهم (غير مختبر) في الإثنين, 2008-07-14 12:58.
ثمة فلاح يأتي كل صباح ليبيع مجموعة من الأعشاب الطازجة: بقدونس, زعتر, جرجير, حبق, كرفس.. للمرة الثالثة على التوالي يصادف هجوم رجال البلدية على بضاعته و أنا اشتري. لا ادري عدد المرات السابقات . و لكن عندما افكر بأن فلاح ينزل من بستانه الى المدينة ليبيع خرجاً من الخضار و أن هذا يشكل تهديداً للنظام الإقتصادي و المدني . أبدأ من جديد يالشعور بالعنف و فقدان الأمن فلا يمكن ان أجد أي بصيص أمل أننا نسير باتجاه دولة الإنسان. لست هنا بصدد حالة تعاطف أو رومانس او صبابة. و لكن أعتقد ان الحلقة الإقتصادية التي نسعى الى تشكيلها ستكون كفيلة بإبادة ما بقي لنا من أشكال الإتصال الإنساني العفوية. ستحولنا جميعاً الى مستهلكين و تجار. ففرد مثل هذا الفلاح. يحلم ببساطة بالنزول الى المدينة ليتباهى بما زرعت يداه و سقتا و ليجني بعض المال لعائلته الطيبة التي تعمل في الحقل على امل عودته . يسعى هذا الرجل في تفاصيل رحلته هذه الى إبتسامتي و الى ابتسامة جاري و الى علاقة مسالمة مع بائع القهوة بحيث يخبر أهل بيته أن بائع القهوة صديقه يحضر له قهوة ممتازة للمنزل - يدعمه- . أنا أسأله إن كان سيحضر غداً بعض الطرخون زيادة لأني سأعد طبق خاص... هذه التفاصي البسيطة يحطمها الحيوان الغبي القابع في المقعد الأمامي من سيارة البلدية تحت شعار أنه يقوم بعمله. دون أن يستطيع التفريق بين رجل شريف و رجل مخرب. لأن عيناه التي في رأسه يعميهما الجشع. لا ينبغي الخوض في نظرية بناء المدينة و الإقتصاد و حماية المستثمر لأن الموضوع أعمق و أبسط من هذه التفاهة. فلو كان باعة البقاليات يلتزمون بالحساب الضريبي و لو كانوا يلتزمون بالتسعيرة الحكومية و بقانون النظافة التي تمليه قوانين الدولة و لو و لو و لو ... لكان من الواجب حمياتهم و حماية استثمارهم. و لو كانت الشوارع نظيفة و الأرصفة التي يتم تغييرها كل حين من الجودة بحيث لا تتحول الى جزر متحركة تحتوي أسفلها كل أشكال القذارة و ليس أحسنها قذارة المشرفين على هذه المشاريع التي تسعى الى تبييض السرقات و سرقة المزيد و ليس الى تحسين المدينة . لأن الحسن لا يحتاج الى من يشير اليه. و لأن الشمس لا تحتاج الى دليل. لو كانت كمية هذه الأعشاب و ثمنها يغطي أجرة نقلها و عمولتها الى البازار ... ربما لكان وجب إلزام هذا الفلاح بعدم استعمال الرصيف الجميل مثل طلة مراقب البلدية. و لكن و حيث ان حياتنا ابسط و حيث اننا نحتاج الى هذا الرجل بيننا و نحتاج الى ضرائب التجار و نحتاج الى تعيين أطباء شرفاء في مشافي الحكومة أكثر مما نحتاج الى القبض على سارقي أرواح بشرية فإننا لا نستطيع ان نشعر ان كل ما تعدنا فيه فعالياتنا الأقتصادية الوطنية و التي تحميها مؤسسات الدولة يمكن أن يعود علينا بأي نفع.
*
*
سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.


*