أرسل من قبل أيهم (غير مختبر) في الإثنين, 2008-06-23 11:45.
ي أي مقهى سوري اليوم تدفع ثمن فنجان القهوة السوداء نفس السعر الذي يدفعه المواطن الأميريكي في سياتل عاصمة القهوة في العالم. لاأدري إن كانت سوريا تعيش هذه الفوضى في الهوية طيلة عمرها. و لكن يمكن الجزم أنها تعيشها طيلة عمري . يدخل المواطن المقهى في الزمن الضائع بين موعدين. يدخل المقهى لأن عيادة الطبيب لم تفتح بعد, يدخل المقهى لأن زوجته تردي التبضع مع الصبايا و هو ما لا يحتمله. المقهى في العموم ليس مشروع المواطن بل بيئة لجعل نهاره سهل و يسير. و لكن عندما تبلغ فاتورة فنجان القهوة مع زجاجة الماء و التيب حوالي ال 170 ليرة فإن هذا لا يجعل من المواطن سيداً بل رهينة . و مواطن يدفع مقدار يوم عمل كامل ثمن فنجان قهوته سوف لن يصنع مجداً لا لنفسه و لا لأمته مهما بلغت حدة خطابات الساسة عن سوريا العظيمة المهيبة و مهما كتب الشعراء و غنى المغنون. إن عظمة الدولة و الشعب تبدأ من شعوره بالإمتلاك الحقيقي. بقدرته على الإمتلاك. و عندما يكون فنجان القهوة في دولة أهلها مدمني قهوة أكبر من متوسط دخل الفرد فإن المجتمع ليس و الدولة ليسا بخير.
عندما تسافر أو تدخل مطعماً أو استراحة أو محطة فإن التبول يعني إنفاق 10 ليرات على الفرد و هي قيمة هائلة مقارنة مع دورة انتاج أي سلعة. فقطعة بسكويت بقيمة خمس ليرات سورية تتضمن عمل فلاح و عمل مدجنة و عمل مستورد الشوكلا و عمل المصنع و عمل الناقلين و عمل تجار المفرق . إنها قيمة مادية تعادل قيمة اقتصادية- قيمة عمل- حقيقية و غاية في الأهمية . في حين أن دفع المال في تواليت المطاعم و الإستراحات و المحطات يعد أقبح أشكال انحطاط هوية الدولة الإقتصادية. أليس من واجب 50 شركة نقل مجتمعة تأمين تواليت مجاني لمسافريها؟ إن النظر الى رجال الأعمال هؤلاء و مدى وضاعة شأنهم و صغر أفقهم و بخلهم و انتهازيتهم تجعلنا كمواطنين غير معنيين بدعم الرساميل الوطنية . أم أن رجالات الإقتصاد العظيمين يعتبرون في الولد أو الرجل الواقف في باب المرحاض فائز آخر بفرصة عمل في زمن انتهاز الفرص؟ لا تنضج الهوية الوطنية لشعب ما دون ادراكه بجغرافية وطنه و برغم أن زمن الرئيس الراحل حافظ الأسد شهد مشروعاً واضحاً في هذا التوجه من شواهده سبكة نقل أهم مما يوجد حتى في أميريكا: على اعتبار أن الأميريكي لا يقيم شبكة نقل بدون قيمة اقتصادية يدفعها المستفيدون. في سوريا مدت شبكاتالطرق و الكهرباء لتربط المواطنين بغض النظر عن الجدوى الإقتصادية. التبادل الجامعي, معسكرات الطلائع, مطارات. اليوم نعيش حالة انتقام من ذلك النموذج؟ من اسياسيين أنفسهم تحت شعار اللبرالية. يبدو أن المواطن السوري الذي قاسى التأثيرات غير السعيدة للإشتراكية سيعود ليقاسي الجوانب غير السعيدة للإنفتاح الإقتصادي. و لكن ثمة فرق. اليوم لا يكاد المواطن يشعر بأهل بيته. فكيف يشعر ببلده كبيت كبير؟ السياحةالحقيقية هي سياحة الطبقات الوسطى و كل أشكال الإستثمار السياحي لا تضع هذ الفئة في حسبانها. السياحة اليوم تستقطب رجال الأعمال الذين يفدون الى البلاد لعقد الصفقات. و لكن على المدى البعيد ليس هؤلاء هم السياح. في الحقيقة هؤلاء يقيمون مشاريع استغلالية في البلاد مثل مشاريع العقارات التي سيبقى المواطن السوري يدفع ثمنها طيلة عمره. هؤلاء ليسوا السياح. و بالتالي فإن فنادق الخمس نجوم لا تحقق حجر أساس في صناعة السياحة. لا يجب الخلط بين رجل أعمال يقيم في البلد لرعاية مصالحه و بين الساحة كثقافة أنتجها المجتمع البشري المعاصر. لا يجب احتكار شواطئ البحر و لا الجبال لصالح مجموعة من المتنفذين. يجب أن تكون السياحة أكثر أفقية و امتداداً و ليس شديدة التمركز. هناك فرق كبير بين أن تبني فندقاً يليق بمستثمر و بين أن تضع خطة لبناء ثقافة و صناعة سياحية. السياحة بدون إشراك المواطن هي ضرب من التجحيش و الغباء . لأن السائح لا يأتي الى البلد ليجلس في فندق بل لينزل الى الشارع. ليشتري من فلان و يشرب القهوة في مقهى فلان و يشرب البيرة في بار فلان ... هؤلاء الفلان يجب أن يكونوا المواطنين و ليس ستاربكس أو مكدونالد. على الدولة أن تفكر بدراسة كيفية جعل الخدمة السياحية في سوريا شعبية حتى يتم المعنى الفعلي للسياحة و حتى يتم تحويلها الى مصدر دخل وطني. يجب أن يتم دراستها حتى لا نتحول الى أردن و مصر في السياحة: أي أن يأتي السياح في مجاميع تنام في فندق و تنزل الى المواقع الساحية- المقننة- و من ثم تعود الى بلادها دون أن تلمس الشارع. الشعب السوري أكثر انفتاحاً من كثير من الشعوب المحيطة و من الخطأ عزل البيئة الإجتماعية عن مشروع بناء السياحة. تقنين السياحة أي تحويلها الى سياحة قلاع و آثار هو فهم تبسيطي و جاهل لما يمكن للسياحة أن تكون عليه.