أرسل من قبل ه ع (غير مختبر) في الجمعة, 2007-11-30 18:25.
تقوم مدينة طرطوس القديمة فوق مائدة صخرية منبسطة ممتدة على مسافة تبلغ 300م تنتهي هذه المائدة في الجهة الغربية عند الشاطئ مباشرة ,ذكرها وليم الصوري في وثائقه القديمة إذ قال : " مدينة جميلة و نبيلة بمظهرها تدعى أنتارادوس , سميت كذلك لأنها تقع مقابل أرادوس (أرواد) "
إن طرطوس مدينةٌ باسمها إلى جزيرة أرواد المقابلة , فعندما ازدهرت الجزيرة خصوصاً في العصر الفينيقي الهلنستي بسط الأرواديون سيطرتهم على الشاطئ المقابل ليشكلوا عدة أقاليم على شكل هيئة فدرالية فينيقية امتدت من سيميريا جنوبا (يعتقد أنها تل كزل اليوم) حتى جبلة شمالاً إلى منحدرات العاصي و من ثم إلى مسييه (مصياف) في الشرق... لم تكن طرطوس التي دعيت آنذاك ب أنتارادوس (التسمية يونانية تعني المقابلة لأرواد) إلا قاعدة و حصن بنتها الجزيرة على امتداد الشاطئ لتهاجم منها مدن الداخل و لتكون لها كمركز تجاري و اقتصادي ....
زار الاسكندر المقدوني أنتارادوس (أقام فترة في عمريت الضاحية الفخمة) وصفها و قال: " مدينة (حقيقية) مجهزة تماما بكل ما يتعلق بالتنمية المدنية و ذات نشاط تجاري هام ".
بينما كانت أنتارادوس تتطور وتتفوق على أرواد ازدهاراً و عمراناً (ذلك في العهد الروماني بحسب بطليموس و الاسكندر ) , تقهقرت الجزيرة في القرن الثاني الميلادي ..وأخيراً تفوقت أنتارادوس على أرادوس و بدأت أرادوس تسمى "جزيرة أنتارادوس" و هكذا انعكس الاسمان الأصليان و في القرن السادس لم تعد أرادوس (أرواد) سوى مكان رمزي..
أنتارادوس (طرطوس) و العذراء مريم :
جاءت المسيحية مبكرة إلى المنطقة ,فقد نشأ في أنتارادوس واحدة من أول المجتمعات المسيحية, أنشأ فيها القديس بطرس (أثناء طوافه في أرجاء فينيقيا مبشرا بالدين الجديد) واحدة من أقدم الكنائس التي كرست للعذراء مريم و أول مذبح أقيم لها (متحف طرطوس حالياً),كما أنه وضع فيها أيقونة ماري(1) المشهورة و التي تعزى إلى القديس لوقا...
يروي لنا وليام الصوري من ما جمعه من وثائق مابين الأعوام 1169-1183 م إذ يقول:" و اليوم ما زالت تجتذب هذه الكنيسة شعوب العالم ,و يؤكد بعض الشهود ,أن السماء و بواسطة مريم العذراء, تحقق معجزات للمتضرعين الذين يؤمونها طالبين رحمتها"
أما في عام 487 م حدث زلزال دمر المدينة بكاملها ,لكن المذبح القديم و الأيقونة بقيا ,,اعتبرت تلك الواقعة أعجوبة و قد استبد العجب بالحجاج الذين كانوا يتقاطرون إلى المكان بعد ذلك ,بأعداد تزايدت باستمرار.
بعد فترة قصيرة مر بها الملك قسطنطين أمر ببناء المدينة من جديد و أطلق عليها اسم كونستانسيا...
طرطوس من العهد العربي حتى نهاية الحملات الصليبية:
استولى العرب في أيام خلافة عثمان بن عفان على المدينة عام 638 م بقيادة عبادة بن الصامت عرّبوا اسمها ليصبح أنتارتوس , اشتهرت المدينة في مطلع هذا العهد لاحتوائها على نسخة من مصحف عثمان يوم لم يكن في العالم سوى بضع نسخ من المصحف الشريف (أبو الفداء في كتابه مختصر التاريخ و أبو العباس القلقشندي في كتابه صبح الأعشى).
عهد إلى معاوية بن أبي سفيان والي سوريا بإعادة بناء المدينة و تجميلها ,, حيث أنشأ فيها هذا الأخير ورشات عمل لمختلف الصناعات منها صناعة السجاد الأرمني الذي كان يصدر إلى مدن الشرق .
في شهر شباط من عام 1099 احتلها الصليبيون بقيادة الكونت ده تولوز و أصبح اسمها طرطوز ,ومن ثم تناوب السيطرة عليها ملك بيزنطة و أمير انطاكية و أمير طرابلس الذي سلمها إلى ابنه ألفونس(2) الذي بدوره حصنها تحصينا منيعا و جعل منها قاعدة حربية هامة و مرفأ رئيسياً للتموين بحكم موقعها الجغرافي البحري الهام القريب من انطاكيا و قبرص و اوربا.
لفتت التحصينات المنيعة التي أنشأها ألفونس ومَن جاء قبله أنظار العلماء و المستشرقين و منهم (العالِم ري) إذ يقول:
إن للمدينة خرائط دفاعية غريبة على شكل أسوار حجرية مدعومة بأحد عشر برجاً (أخذت من بقايا الآثار الفينيقية في أرواد و عمريت) و على ثلاث مستويات من الحماية العسكرية : الأول يتطابق مع المدينة الأسقفية بطول 350م (أي ما يحيط بالكاتدرائية الموجودة في أقصى شرق المدينة القديمة,متحف طرطوس اليوم) ,و الثاني يتوافق مع المدينة العسكرية التي تعرف بمدينة الفرسان (حيث تقع المستودعات و الثكنات العسكرية و غرفة فرسان الهيكل و مراكز القيادة), أما الثالث يتوافق مع البرج المحَّصن "دونجون" الذي يمثل الحماية القصوى للتحصينات المحمي بسورين ارتفاع احدهما 30 م(3) و خندقان كبيران حفرا في الصخر يُملآن بماء البحر عند الحاجة.
خلال تلك الحقبة التاريخية لم يكن استقبال الحجاج فيها المصدر الهام للدخل فحسب بل كانت طرطوس بلداً صناعياً هاماً , اشتهر بصناعة قماش الكاميليو المصنوع من شعر الجمل , كان هذا القماش مرغوباً جداً من البلاط الفرنسي حتى أن الملكة مارغريت كانت توصي الحجاج ب100 قطعة من مختلف الألوان ,ما أن ترى القماش حتى تركع أمامها تحسبها ذخائر مقدسة.. (شهادة " الأمير جوان فيل").
بقيت طرطوس و كاتدرائيتها يوصى بها الحجاج المسيحيون كنقطة توقف على الطريق التي تقودهم من الشمال الأوربي إلى القدس حتى نهاية العصور الوسطى .
صلاح الدين الأيوبي أمام أسوار طرطوس:
أما صلاح الدين الأيوبي فقد بلغها في شهر تموز من سنة 1188 م قادماً من طرابلس ,أحكم قبضته على المدينة الأسقفية بعد أن طوقها بإحكام على شكل هلال امتد من البحر إلى البحر و أنزل أضراراً جسيمة بالكاتدرائية فلجأ السكان إلى البرجين داخل المدينة القديمة , سقط أحدهما في يد أحد أمراء جيش صلاح ورمى حجارته بالبحر و عجز عن الاستيلاء على البرج الثاني (الذي يرتفع لأكثر من 30 م) فرحل عن المدينة بعد فترة وجيزة بعد أن عقد هدنة مع فرسان الهيكل..
لم تسقط طرطوس نهائياً بيد العرب إلا في شهر أب من سنة 1291 إذ فتحت المدينة أبوابها لعماد الدين قائد جيش السلطان مالك الأشرف و لجأ الهاربون من الفرنجة إلى جزيرة أرواد و من ثم إلى قبرص .(4)
فيما بعد في سنة 1340 فقدت المدينة تحصيناتها (العمري) من ثم خضعت للمماليك اللذين أعطوها اسمها الحالي (طرطوس) و في العهد العثماني أفل نجمها و أصبحت تابعة لولاية طرابلس .....
طرطوس اليوم:
إدراكا لأهمية طرطوس القديمة تاريخياً و رغبة في إعادة تأهيل التراث المعماري و التاريخي و التدخل السريع لتحسين الشؤون الاجتماعية و تشجيع السياحة,,, سارعت المنظمات الدولية و عدد من بلديات المدن المتوسطية (أليكانتي وَ بالما دي مايوركا الاسبانيتين و بيشلي الايطالية) بالتعاون مع الفدرالية العالمية للمدن المتحدة لعقد اتفاقيات عديدة إما على شكل بروتوكولات تعاون و توأمة مع طرطوس القديمة أو على شكل ورشات عمل تمخض عنها توصيات كان أهمها ورشة عمل اليونسكو (شهر شباط من عام 2005) و التي صرحت فيها د. (آنا باوليني) ممثلة المنظمة بأنه: لمواقع (طرطوس و أرواد و عمريت) فرصة حقيقية لاعتمادها تراثا عالمياً من قبل اليونسكو لكن هذا يعتمد على الجانب السوري بعد تحضير ملف الموقع لوضعه على لائحة التراث العالمي .....
للأسف نقول بأن أي من هذه الاتفاقيات لم يطبق و لم يكن هناك أية بادرة جدية للحفاظ على النسيج الاجتماعي و التراثي للمدينة ,بل على العكس فقد انتزع سور الحماية الشرقي بالكامل,و ردم الشاطئ المقابل للواجهة البحرية لإقامة منشأة سياحية , كما أن الاستملاكات تطال مبان المدينة و التي يخشى أن تحول إلى مبان عقيمة لا حياة فيها كما يخشى منها أن توقف استمرارية جزء من الحضارة السورية المتوسطية الممتدة منذ آلاف السنين حتى يومنا هذا....