صقر عليشي: الشعر بين البداهة والهزل

«الشعر لا يأتي،

وأنت على انتظار، ‏

والشعر لا يأتي، ‏

وأنت هناك، إلا ‏

من أفقك الوردي ‏

عارٍ..» ‏

من على هذه «الشرفة» يكتب صقر عليشي القصيدة، تماماً من «أعالي الحنين» محتفظاً بكامل «الأسرار» ليقدم تلك القصائد العالية الـ«مشرفة على السهل» تتدفق بـ «عناقيد الحكمة»، ومجاوراً «غزال» المعاني، الذي أنس إليه بـ قليل من الوجد.. ذلك هو النتاج الشعري لهذا الشاعر، الذي يكتب القصيدة بكل تؤدة، القصيدة التي أعطته متنها كفرس أجاد ترويضها على أصابعه، طالما ثمة هدف لهذا الشعر فنحن: ‏

«سنكتب شعراً 

لكي يتمرأى القمر ‏

سنكتب شعراً ‏

لكي لا يضيق على الطير أفق ‏

لكي تستمد السماوات زرقتها ‏

من جمال الصور..» ‏

هذا النتاج الثر للشاعر عليشي، كان مؤخراً في احتفاء لأربع قراءات نقدية، باللقاء الشعري النقدي السابع لهذه السنة لجمعية الشعر في اتحاد الكتاب العرب، شارك في هذه القراءات: وفيق سليطين، رضوان السح، عاطف البطرس، وانتصار سليمان، الأخيرة التي وجدت أن عنوان هذا الشاعر التفاؤل وخفة الروح، يلتقط الصور كصياد ماهر، ويصهرها في روحه العذبة، تنبع من وجدان فطري فطرية الغابات البكر:

«أنا من هناك ‏

حيث كل شيء مرتفع ‏

الروابي ‏

والنهود ‏

والجباه..» ‏

فيما رضوان السح يرى أن الشعر عند صقر عليشي كان موضوعاً شعرياً بحد ذاته، هذا الشعر قد يأتي خالقاً للجمال كما في قصيدة «سنكتب شعراً» فالسماوات إنما تستمد زرقتها من جمال القصيدة، حيث تقدم ومنذ مطلعها وظيفة الفن في أنه يفسح للوجود أن يدرك ذاته ويتأمل جماله ومع إدراك القصائد عند عليشي على العموم لجدلية الجمال الطبيعي والجمال الفني، تقدم جمال الطبيعة على أنه الأساس في جمال الشعر، وفي مقدمة جمال الطبيعة، يأتي جمال المرأة وهو جمال التكوين الجسدي، الذي تمثل مقدمته النهود التي كانت احدى شواغل القصيدة، وإن جاءت ساقا الحبيبة كمنابع للبرق والقصائد... ‏

وحتى عندما تدور معركة بين الشعر «جمال الفن» وبين جمال الطبيعة، فإن معركة صقر يكون هدفها الأعم هو التغلب على الجمال لإرغامه على الدخول في مملكة الشعر: ‏

تعالي قليلاً إلى وحدتي ‏

تعالي قليلا...؟ ‏

تعالي نمر على الأفق ‏

بضع دقائق ‏

نعطيه حلوى ‏

ولوناً جميلاً.. ‏

عاطف البطرس في شهادته، يرى أن مقاربة تجربة صقر عليشي الشعرية تستدعي بالضرورة التحرر من سلطة المرجعي القار في الذاكرة، والتخلص من طغيان النموذج الموروث عن تجربة الشعر العربي، والاقتراب أكثر في إيقاع الحياة المعاصرة، ويراها أيضاً محاولة لتجاوز المعيار، وهدم الثابت واختراق المألوف، أما أهميتها، فهي بما تثيره من أسئلة لا تتعلق بالشعر وحده، وإنما بنظرية الأدب، ولفت إلى إمكانية الحديث عن السيرة الذاتية الشعرية في القصيدة، وكيف يمكن ترحيل العناصر السردية من القصة والرواية إلى عالم الشعر... ‏

كيف يتحرر الشاعر من دوره القديم (النبي، العرافة، الرائد) ويصبح من المهمشين المقصيين من عامة الناس، وهذا يستدعي بساطة اللغة والصورة والموضوع وإنزال الشعر من سمائه وتحرره من البلاغة المغالية ومن لغة العصور إلى مفردات الشارع، مع المحافظة على جماليات التصوير، وعلى شعرية القصيدة، ومن الصعب قراءة تجربة صقر دون الرجوع إلى مفهوم الطفولة، التي تكمن في الموضوعات وفي الأسلوب، وفي شكل مواجهة العالم والطبيعة والإنسان... ‏

الطفولة بما تحمل من براءة وإدهاش وصدق وعفوية انعكست في مفردات وموضوعات الشاعر، وتأتي علاقة الريف بالمدينة عند الشاعر لا تقوم على أساس ثنائية ضدية، وإنما هي تفاعل وتكامل في تشكيل وعي الشاعر، المدينة لديه ليست غربة وانسحاقاً بل تقدم وانفتاح وتعددية، والريف الصدق والرفعة والحياة المرفوعة العالية والنهود المرتفعة بـ «توضيح بسيط» يصرح عليشي: ‏

تهمني المسائل الصغيرة ‏

أكثر من مسائل الفناء والوجود ‏

أحب أن أذوق غامض التفاح ‏

أكثر مما لو أذوق ‏

ثمر الخلود ‏

إن وجدت فلسفة أحبها ‏

لا شك أنها ‏

فلسفة لها نهود... ‏

في مداخلة خرجت عن سرب الانطباع والقراءة، يتناول الناقد وفيق سليطين قصيدة واحدة من أحدث إصدار للشاعر عليشي، وهي قصيدة «الغزال» التي أخذت المجموعة اسمها، فيذكر: إذا كان الفن هو غائية بلا غاية، كما يقول كانط، فإن في ذلك قدراً ليس بالقليل مما ينطبق على قصيدة الغزال، أو غزال القصيدة كما يجلوه الشاعر، وينأى به، في صوغه القريب، ومباشرته الآسرة. ‏

يحلل سليطين: إن صقر عليشي، يبني قصيدته على نظام البيت، ويقيمها عروضياً على البحر الطويل، الذي يعيد توزيعه على نحو يتجاوز نظامه المستقر في تقابل المصراعين، ويبدي في صنيعه هذا مقدرة عالية على تطويع المبنى بكثير من المرونة، التي تتيح له إمكانية التصرف بالكتلة اللفظية في هندسة القول، ويأتي تشريد الشكل العروضي عن مداره المألوف ومستقره الشائع، هو بنائياً وجه آخر لغزال الشعر في شروده وتأبيه، وفي انطلاقته المتخطية للتحديدات المعنوية العالقة به، والمتفلتة من قيود البلاغة التراثية المؤطرة له في دوائر التوظيف والاستخدام... ‏

وإن كان المكون البلاغي حاضراً، يلفت إلى نفسه بقوة الإدهاش، لكن حضوره هو ذلك الحضور المنفي الذي يجري استثماره بدلالة التعبير لا التقريب، هذا «المكون» يشتغل إذاً بخاصية الإشارة، فيواجه جانب الإثبات منه بقوة النفي التي تعطل الامتلاك، كل ذلك بلغة تتجاوز الوصف إلى الخلق، وتنخفض فيها درجة النحوية أحياناً إلى حدود اقتلاع العبارة من محددات المعجم وضوابط السياق بهذه اللغة التي تزكو قيمتها الإشارية يمضي الشاعر في إنجاز نص «الغزال» وإتقان نسجه، على نحو يتحقق في تراصف وحداته، وكثافة تأثيراته، وتنويع استبدالاته بما يرقى بالأداء الفني إلى مضاعفة تقطير ماء الشعر. ‏

وثمة إحالة متبادلة، يتجدد معها نشاط القراءة والتأمل، بين القصيدة والغزال، وعلى الرغم من كون الغزال مركزاً لوحدات البناء والتأليف، فإنه لا يلبث أن يرد خاصياته على القصيدة، ويتناوب معها، في الوقت الذي تشحذ فيه القصيدة آلة المجاز، وتعمل أدواتها في آفاق الفن لتجلوه بها، وترد محصوله عليه، فالشاعر يرى غزاله بعين الفن، بينما هو ينظر إلى قصيدته بعين الغزال، وهذا التبادل، أو التجاوب بين الاثنين، واضح بدرجة أعلى في النصف الثاني من النص، حيث يتعين كناس الغزال في مجاز الشعر، ويسري هو راخياً أعنته في طيات النشيد... ‏

كما نقرأ في غزال عليشي ما يصل بمستوى الكلام الصوفي وإشاراته الغامضة التي تبعث على الوجد وتبارح مدار الألفة إلى الافتتان بتجلي الجمال المطلق. ‏

نشير أخيراً إلى ما لفت إليه عاطف البطرس، من أنه لا يمكن قراءة تجربة صقر عليشي دون الوقوف عند ظاهرة السخرية، ومواجهة الحياة بالتفاؤل، وأحياناً بالاستهتار كشاعر يعاين الحياة: ‏

«هذي الدنيا بنت التفاحة ‏

لا تتركنا أبداً ‏

في راحة..» ‏

أو: ‏

لم تعط تفاحتها آدماً ‏

كي يهبط من بعدها الأرضا ‏

حواء بالتفاح كانت، فقط ‏

تريده أن يعرف العضا... ‏

يقول عنه محي الدين صبحي في هذا المجال: هو بارع في استخدامه السخرية بكل أنواعها، بارع في إلقاء الهزل على عواهنه، يستطيع استثمار توتر البنية اللفظية في إطلاق المكبوت من الطاقة النفسية، مع جمال صنعة وبصر في الشعر، ولعله من أهم المساهمين في تأسيس شعر البداهة والفطنة بالعربية...!

 

علي الراعي

المصدر: تشرين