سوريا تتأرجح على "الخط الأحمر"الذي رسمه أوباما

11-04-2013

سوريا تتأرجح على "الخط الأحمر"الذي رسمه أوباما

الجمل - نايل بووي- ترجمة: د. مالك سلمان:

تخبرنا صفحات التاريخ أن الحضارات الجميلة قد ظهرت وازدهرت في مدينتي دمشق وحلب القديمتين, اثنتين من أقدم المدن المأهولة على وجه الأرض. لكن سيرك الوحشية المرعب المسمى بالنزاع السوري, والذي دخل عامَه الثالث, سوف يلطخ ويسود تلك الصفحات إلى الأبد. فبغض النظر عن النتيجة السياسية لهذه الحرب الفظيعة, فقد تم تمزيق دولة كانت فيما مضى قائمة على التسامح والتنوع, كما أن الرعبَ نفسه قد أوغل في مصير الشعب السوري مغيراً أنماطهم الحياتية إلى الأبد. فقد تيتمَ الأطفال, وفقد الأهل أولادَهم – وبطرق قسرية ووحشية. كما تم قطع رؤوس الأطفال الرضع, وتم تحديد مصير نساء ورجال أبرياء عبر إعدامات مرتجلة, كما تم تمزيق عائلات بأكملها أو تدميرها بشكل كامل. إن التطورات الأخيرة في سوريا تبعث على القلق.
اتهم متحدثون باسم حكومة الأسد مؤخراً المسلحين المدعومين من الخارج بإطلاق صواريخ "سكود" تحتوي على أسلحة كيماوية في مدينة حلب ذهب ضحيتها العشرات. وقد قال شهود عيان إنهم رؤوا بودرة تخرج من الصاروخ تسببت باختناق من تنفسها أو بحاجتهم إلى رعاية طبية فورية. وقد زعم خبير بالأسلحة الكيماوية لم تسمه "الجزيرة" أن الإصابات لا تتماشى مع العناصر الكيماوية المستخدمة في مخزون الأسلحة الكيماوية السورية, قائلاً "إن كان ذلك أحد عناصر الحرب الكيماوية, فإنه لا يعمل جيداً." كما دعا سفير سوريا الدائم إلى الأمم المتحدة, بشار الجعفري, الأمينَ العام للأمم المتحدة إلى تشكيل بعثة تقنية مستقلة للتحقيق في استخدام الأسلحة الكيماوية من قبل المجموعات الإرهابية التي تقاتل في سوريا.
أثناء زيارته الرسمية لإسرائيل, شكك باراك أوباما بالقصة التي صدرت عن حكومة الأسد, حيث قال إن كانت الحكومة السورية قد استخدمت فعلاً الأسلحة الكيماوية, فهذا يعني أنها تجاوزت "الخط الأحمر". وقال إنه لن يصدرَ أية تصريحات أخرى بهذا الشأن إلى أن يتم تأكيد بعض الحقائق الفعلية. ما يعنيه هذا بالضبط هو أن أوباما في وضع الآن يسمح له بتنفيذ تهديداته والتدخل بقوة وبشكل مباشر أكثر من ذي قبل. إضافة إلى ذلك, أشار مسؤولون في الناتو أيضاً إلى استعدادهم للقيام بعمليات واسعة إذا لزم الأمر. فقد صرح قائد القوات الأمريكية-الأوروبية, الأدميرال جيمز ستافريديس, لوسائل الإعلام أن الحلف "جاهز, إذا لزم الأمر, للتدخل كما حصل في ليبيا."
ليس لدى أولئك الذين يراقبون الوضع بشكل نقدي منذ البداية أية أوهام. فالطريقة التي غطت بها وسائل الإعلام الرسمية النزاع في سوريا, وربما أكثر من أي موضوع آخر في الآونة الأخيرة, تبين انحياز هذا الإعلام وانسجامَه مع السياسة الخارجية الغربية والخليجية التي قامت بدعم المجموعات المسلحة وتأمين الغطاء الدبلوماسي للسياسيين المعارضين الذين يمثلون مصالحَهم الخاصة الاقتصادية والإستراتيجية. إن سياسة إدارة أوباما تجاه ليبيا وسوريا تسعى لتحقيق نفس الأهداف المألوفة التي عملت لتحقيقها إدارة بوش في مغامراتها السياسية الخارجية. وحقيقة أن الكثير من اليساريين الذين دعموا الحربَ على العراق وأفغانستان يلتزمون الصمت الآن أو يدعمون أجندة أوباما ما هي إلا دليل على أن سياساته قد قدمت بشكل أكثر ذكاءً للاستهلاك الإعلامي. والحقيقة هي أن الحالة في سوريا ليست سوى جزأ من سياسة "الصدمة والرعب" ولكن بطرق أخرى.
هناك كثير من الأسباب التي تدفع صناعَ السياسة في واشنطن وتل أبيب للمطالبة برحيل الأسد, ولم يكن من الممكن تدمير حكمه الرئاسي من دون العضلات المالية للملكيات السنية المتخمة والبائسة في السعودية وقطر. إذ إن هاتين المملكتين اللتين تبرقان بالرأسمالية الكارثية ليستا مسؤولتين عن تقديم المال والسلاح فقط,؛ فدافعهما الرئيس هو تصدير الإيديولوجيات الوهابية والسلفية التي يعتنقها الكثير من الجهاديين المقاتلين في سوريا, وهي عبارة عن تأويل مشوه وبدائي للإسلام عمل على إذكاء لهيب البعد الطائفي في النزاع السوري وتعميق الانقسامات الاجتماعية إلى أعلى درجة من الخطورة – في بلد كانت تعرف فيما مضى بتنوعها وتسامحها الديني. كما أن هذه الملكيات الخليجية, التي حصلت على ضوء أخضر لارتكاب أفظع الجرائم المخالفة لحقوق الإنسان عبر مؤسساتها الرسمية, مسؤولة أيضاً عن دعم الذراع السياسية لمقاتليها المتطرفين والتي تتمثل في "الإخوان المسلمين".
قام الائتلاف السوري المعارض, المشكل برمته من قبل القوى الأجنبية, مؤخراً بانتخاب رئيس حكومته الانتقالية – يظهر علينا غسان هيتو, وهو سياسي غر غير معروف يحمل جوازَ سفر أمريكياً وإجازة في علوم الكمبيوتر من "جامعة بوردو". وهيتو كردي إسلاموي تربطه علاقات وثيقة مع "الإخوان المسلمين". وقد هيمن "الإخوان المسلمون" سياسياً على "المجلس الوطني السوري" منذ تأسيسه, بالإضافة إلى تنظيم العمليات التكتيكية للمعارضة المسلحة. كما أن أساس علاقة "الإخوان المسلمين" بالملكيات الخليجية القروسطية متأصل في معارضة قوية للإسلام الشيعي المتمثل في القادة المتدينين في إيران و"حزب الله" في لبنان؛ والأسد نفسه علوي, حيث تشكل العلوية فرعاً من فروع الشيعة. يجب أن تكون الصورة قد اتضحت الآن: كيف أن استغلال الانقسامات الطائفية في المنطقة كان شرطاً أساسياً بالنسبة لأولئك الذين يمولون النزاع المسلح الذي يهدف, في نهاية المطاف, إلى تدمير الدولة السورية العلمانية.
قاطع العديد من أعضاء "الائتلاف السوري المعارض" البارزين التصويت لانتخاب رئيس حكومة انتقالية, مشيرين إلى حملة مدعومة من الخارج لانتخاب هيتو. وقد نُقلَ عن كمال لبواني, وهو معارض قديم, قوله: "لا نريد لما حصلَ في مصر أن يحدث في سوريا. لقد خطفوا الثورة." ويتهم أولئك الذين رفضوا التصويت هيتو بأنه مجرد دمية في يد "الإخوان المسلمين", وأن قرارات "المجلس الوطني السوري" يتم إملاؤها من الخارج. فقد قال وليد البني, وهو عضو بارز آخر في المعارضة, إن "الإخوان المسلمين, وبدعم من قطر, فرضوا مرشحَهم لرئاسة الحكومة. وسوف ننأى بنفسنا عن هذه الحكومة إن لم يُعِد الائتلاف التفكير في خياره". دعونا نضع النقاط على الحروف: يتم تصوير الأسد, وهو قائد يؤكد وجودُه اليوم حقيقة أنه يتمتع بدعم أغلبية الشعب, على أنه فقدَ شرعيته. ومن الناحية الأخرى, من المفترض أن يكون هيتو, وهو رجل بلا أية خبرة سياسية حصل على 35 صوتاً من 49 صوت انتخابي خلال اجتماع ﻠ "الائتلاف الوطني السوري", ممثلاً شرعياً للشعب السوري؟!
لا يمكن تفسير هذه الحقائق إلا على الشكل الأتي: إن حذاءَ ما يسمى "المجتمع الدولي" يسحق وجهَ الشعب السوري, حيث يفرض عليه رجلاً لا يمثله هو, لكنه يمثل مصالح الشركات متعددة الجنسيات التي تسعى إلى نصب رايتها في التربة السورية بعد الأسد. دعونا لا نخدع أنفسنا بتصديق المزاعم القائلة إن جون كيري, أو وليام هيغ, أو لوران فابيو, أو الأمير القطري خليفة آل ثاني, مهتمون بالشعب السوري. إذ يمكن أن نعزو كافة ضحايا النزاع السوري حتى الآن إلى تدفق الأموال الأجنبية, والأسلحة الأجنبية, والمقاتلين الأجانب. ولن نكذب ونقول إن الخطط التكتيكية لبشار الأسد والجيش العربي السوري لم تؤد إلى التضحية بالمدنيين والتسبب بمعاناتهم. إذ من الصعب جداً على جيش أية دولة أن يقمعَ تمرداً مسلحاً من النوع الذي تتبعه الميليشيات المسلحة في سوريا, عندما تندلع المعارك في مناطق تتميز بكثافة سكانية كبيرة, دون أن يواجه تحديات ضخمة.
يجب ألا يكون المرء وضيعاً إلى درجة تحميل القوات الحكومية السورية مسؤولية قتل شعبها بشكل متعمَد؛ فمثل هذا العمل لا يخدم الدولة بأية طريقة كانت. إذ يجب النظر, بدقة أكبر, إلى الضحايا المدنيين الذين قتلوا على يد القوات الحكومية التي تشتبك مع المسلحين كنتيجة بشعة للحملة الأجنبية الهادفة إلى إسقاط الحكومة السورية. فبينما يقوم وزراء خارجية الدول الغربية بسوق أعداد الضحايا لأهداف سياسية تخدم حملتهم على "الأسد الجزار", من الضروري الإشارة هنا إلى أن باريس ولندن قد طالبتا برفع حظر توريد السلاح إلى سوريا وتعهدتا بتسليح المجموعات المتطرفة مع أو بلا موافقة الاتحاد الأوروبي. وتبعاً للأمم المتحدة, قتل في سوريا حوالي 70,000 شخصاً, ومع ذلك تريد هاتان الدولتان الأوروبيتان, اللتان تدعيان القلق من تنامي الإرهاب, بإغراق سوريا بالمزيد من الأسلحة – إن هذا ضرب من الجنون.
تريد الدول الغربية تنصيب قادة وكلاءَ لها يزحفون على بطونهم أمام الشركات الدولية الكبرى ويبتلعون دواءَ "صندوق النقد الدولي", وتسعى دول الخليج إلى الهيمنة الكاملة على أوطانهم, ويرغبون جميعاً في تحطيم المقاومة الشيعية. فبعد أنباء استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا, يعتقد كاتب هذه المقالة أن الميليشيات المدعومة من الخارج, التي حاولت استغلال كافة الفرص المتاحة للمطالبة بدعم وتمويل أكبر, قد استخدمت سلاحاً كيماوياً مهرباً من نوعية سيئة للتحريض على التدخل العسكري المباشر لصالحها. لذلك بدأ عضوا الكونغرس ليندزي غريهام وجون مَكين يرغيان ويزبدان, محرضَين الرئيس أوباما على "التصرف الفوري" والتفكير في نشر القوات. فقد نُقلَ عن غريهام قوله, "إذا كان الخيار بين إرسال القوات لضمان سلامة مواقع الأسلحة, أو السماح للأسلحة الكيماوية بالوقوع بين يدي الأشخاص الأكثر عنفاً في العالم, فأنا أصوت على حسم هذه المسألة قبل أن تتحول إلى مشكلة."
ليس هناك دليل على عقل مَرَضي أقوى من تحميل المرء الآخرين مسؤولية الدماء التي تلطخت بها يداه.

تُرجم عن ("كاونتربنتش", 22 آذار/مارس 2013)

الجمل: قسم الترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...