الكنائس المسيحية وتاريخها في سورية (5-8)

الجمل- منذر نزهة:

القرن السابع -  تحولات المنطقة:
تحولات جذرية:

إن للقرن السابع الميلادي أهمية شديدة على تاريخ منطقتنا وعلى تاريخ الكنائس المسيحية بشكل عام ففيه حدثت تحولات جذرية من حيث السلطة الحاكمة والدين المسيطر. ابتدأ القرن السابع باحتلال الفرس لكامل المنطقة ثم بإخراجهم مجدداً من قبل البيزنطيين ثم بقدوم جحافل العرب المسلمين وانتصارهم الهائل على بيزنطة والتام على الفرس وسيطرتهم على كامل مناطقنا واستبدال سلطة الدين المسيحي بسلطة الدين الجديد الذي أخذ يوسع قواعده في المدن أولاً ثم في الضواحي فالأرياف بحيث أصبح دين الأغلبية في زماننا.
وكان للدين الإسلامي أهمية معينة في تطور الكنائس في المنطقة فلم تعد تتغلب كنيسة على أخرى بفضل اعتقاد الحاكم برأيها اللّهم إلاّ بشكل بسيط جداً أحياناً عندما كانت الكنائس تسمح للحاكم المسلم بأن يتدخل في جدالاتها وذلك بتقرّب بعض رجالاتها منه، كما كان يحدث أحياناً بين الخلقيدونيين واللاخلقيدونيين (الملكيين واليعاقبة والموارنة) في سوريا أو بين اللاخلقيدونيين والديوفيزيقيين (اليعاقبة والنساطرة) في العراق. ولم تعد تتعرض كنيسة أو طائفة لاضطهاد من قبل كنيسة أخرى من أجل تغيير مذهبها وإنما أصبح أتباع جميع الكنائس يتعرضون لضغوط هائلة من أجل تحولهم عن المسيحية إلى الإسلام.
كذلك شهد القرن السابع بداية ظهور كنيسة جديدة في سوريا هي الكنيسة المارونية وتمايزها وإن كان أتباعها يعتبرون أنفسهم أيضاً أتباع الكنيسة الأصل والأرثوذكسيين الحقيقيين (بل الخلقيدونيين الحقيقيين) كغيرهم من الكنائس.      
صراع البيزنطيين والفرس:
تعرضت الإمبراطورية البيزنطية لسلسلة من الانقلابات والثورات في بداية القرن السابع بالإضافة إلى غارات متعددة في شمالها الغربي من قبل الآفار والسلاف، مما أضعف موقفها وشجع أبرويز أمبراطور الفرس، أعدائها التاريخيين، على الهجوم عليها في عام 604م من ناحية الشرق، فاحتلوا دارا وماردين وآمد والرها والرقة وأرخروم وأرمينية الصغرى، ووصلت طلائع جيوشهم إلى خلقيدونية غير بعيد عن القسطنطينية في عام 610م.
استطاع هرقل ابن حاكم شمال إفريقيا البيزنطي الاستيلاء على عرش القسطنطينية في أواخر عام 610م، وقتل الإمبراطور فوقاس فأصبح هرقل إمبراطوراً في فترة عصيبة جداً من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية، فالفرس اتجهوا جنوباً واحتلوا أفاميا وإنطاكية في عام 611م وحمص ودمشق في عام 613م ثم طرطوس وكيليكيا، وفي عام 614م تابعوا زحفهم جنوباً إلى أورشليم التي احتلوها بعد حصار وأعملوا القتل بأهلها واستولوا على الصليب المقدس وأرسلوه إلى فارس، ثم عادوا فاتجهوا إلى مصر في عام 617م فأدخلوها في طاعة الشاه.
أعاد الإمبراطور هرقل تنظيم صفوفه في عام 622م وقام بحركة التفاف واسعة النطاق فاتجه شرقاً وهاجم أرمينية وانتصر على الفرس فيها مما أجبرهم على الانسحاب من كيليكيا، وفي عام 623م توغّل في أذربيجان ثم احتل تبريز، وعاود الكرّة في عامي 624م و 625م فضرب الفرس في مناطق عدة ثم اضطر أن يؤجل معركته الحاسمة إلى عام 627م بسبب حصار الآفار للقسطنطينية. وفي عام 627م انتصر على الفرس انتصاراً ساحقاً قرب أطلال نينوى (قرب الموصل) وبدأ يعدّ العدة للهجوم على طيسفون العاصمة، ولكن شيرويه ابن أبرويز الشاه الفارسي تمّرد في بداية عام 628م على والده واستولى على عرشه فكتب إلى هرقل يطلب الصلح، فصالحه على شروط أهمها العودة إلى الحدود القديمة وإطلاق الأسرى وإرجاع الصليب المقدس، فتمّ له كل ذلك(1)
أوضاع الكنائس في فترة الحكم الفارسي القصيرة:
يبدو أن الفرس قد تحزبوا للكنائس اللاخلقيدونية في سوريا، فمن الطبيعي أن لا يرتاحوا للكنيسة الخلقيدونية التي على ملّة الإمبراطور البيزنطي، كما أن اللاخلقيدونيين منتشرون في إمبراطوريتهم في العراق وفارس مع الديوفيزيقيين من كنيسة المشرق ولهم منهم أصدقاء وأعوان، وتحدثنا المصادر بأن الشاه أبرويز دعا أساقفة الطوائف المسيحية إلى عقد مجمع في طيسفون في عام 614م واشترك أبرويز في أعماله بشخصه وبحث به قرارات المجامع المسكونية جميعها، ثم لم يوافق على قول الديوفيزيقيين وأقرّ اللاخلقيدونيين على قولهم.
لذلك لا بّد أن اللاخلقيدونيين كانوا قد استراحوا في فترة الحكم الفارسي وانتعشوا ولم ينظروا بعين الرضا إلى استعادة سوريا من قبل البيزنطيين(2)
عقيدة المشيئة الواحدة (المونوثيلية):
عندما استعاد هرقل سوريا وجد أن جميع البطاركة وأغلب الأساقفة فيها وفي مصر من اللاخلقيدونيين وأن اللاخلقيدونية منتشرة بشكل كبير بين كافة المسيحيين، فرغب بلمّ شمل إمبراطوريته كما رغب أسلافه وتوحيد الخلقيدونية واللاخلقيدونية في مذهب واحد، فكان أن نصحه بعض الأساقفة بالدعوة لعقيدة الفعل الواحد والمشيئة الواحدة التي كانت معروفة قبله بشكل محدود على أمل أن يقبل بها الخلقيدونيون واللاخلقيدونيون كحل وسط بينهما، وملخص دعوة هرقل أن بالمسيح طبيعتين كما يقول الخلقيدونيون ولكن له مشيئة واحدة كما يقول اللاخلقيدونيون (المشيئة الواحدة صفة طبيعية في المسيح لدى اللاخلقيدونيين الذين يقولون بطبيعتين اتحدتا بطبيعة واحدة بلا اختلاط ولا امتزاج ولا استحالة) وحاول هرقل نشر عقيدته باللين أولاً ثم بالقوة لكنها رفضت من الخلقيدونيين واللاخلقيدونيين معاً ومع ذلك قبلها البعض فتشّكل منهم جماعة مستقلة أخذت تتطور منفصلة عبر التاريخ(3)
الموارنة: 
تنسب المصادر المارونية اسمهم إلى مار مارون الناسك في جبال قورش (فوق حلب) والمتوفى في عام 410م، والذي أنشئ على اسمه دير في أفاميا عام 452م، وتؤكد هذه المصادر أن رهبان دير مار مارون كانوا منذ بداية تأسيس ديرهم من كبار مؤيدي مجمع خلقيدونية، وكان ديرهم مسؤولاً عن أديرة أخرى ومؤمنين كثر منتشرين في أصقاع مختلفة من سوريا، وأنهم دخلوا على مّر تاريخهم في صراعات مريرة مع اللاخلقيدونيين، ثم أنهم قبلوا عقيدة هرقل حول المشيئة الواحدة وتزعّموا شيعته في كنيسة إنطاكية وعندها دخلوا بصراع مع اللاخلقيدونيين والخلقيدونيين اللامونوثيلين معاً.
أما المصادر اللاخلقيدونية فتشير إلى أن الموارنة كانوا لاخلقيدونيين قبل عقيدة هرقل ثم بقبولهم لها قبلوا مجمع خلقيدونية، وتعتمد تلك المصادر في رأيها هذا على حادثة رفض البطريرك الإنطاكي اللاخلقيدوني أثناسيوس الجماّل بعد اجتماعه بالإمبراطور هرقل ومناقشته آرائه لعقيدته، مما أثار غضب الإمبراطور الذي أصدر أمراً بمعاقبة أولئك الذين رفضوا مجمع خلقيدونية بجدع أنوفهم ونهب منازلهم، ونتيجة لذلك الاضطهاد قبل العديد من الرهبان ومنهم رهبان دير مار مارون مجمع خلقيدونية واستولوا على عدة كنائس وأديرة كانت تابعة لللاخلقيدونيين. كذلك فإن استعمال التقاديس الثلاثة بصيغة اللاخلقيدونيين من قبل الموارنة هو دليل آخر على أصلهم اللاخلقيدوني(4)
لا بد أن تكون عقيدة هرقل في المونوثيلية قد اجتذبت بعض الخلقيدونيين وبعض اللاخلقيدونيين تماماً كما أراد لها هرقل أن تفعل فقام هؤلاء الذين قبلوا المونوثيلية بالاتحاد فيما بينهم فشكلوا بداية كنيسة الموارنة.
الخيول العربية الإسلامية تخرج من جزيرتها: 
لن ندخل في التفاصيل التاريخية لأحداث الفتح العربي الإسلامي للمنطقة كي لا نخرج عن موضوعنا ولأنه كتب عنها بكثير من التفصيل، ولكن لا بدّ لنا من التذكير بأهم أحداث الفتح كي نتمكّن من فهم الأوضاع الجديدة التي نجمت عنه.
بدأت الحملات في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق (632 – 634م) فغزت قوات خالد بن الوليد جنوب العراق حتى استولت على الحيرة عاصمة المناذرة اللخميين  في عام 633م، وفتحت فلسطين على يد قوات يزيد بن أبي سفيان في بداية عام 634م عدا القدس، وفي خلافة عمر بن الخطاب (634 – 644م) اكتمل فتح سوريا في مدة خمسة أعوام بفضل قادة حاذقين من أمثال خالد بن الوليد وأبو عبيدة الجراح وعمرو بن العاص، فقد حوصرت حمص ودمشق واستسلمتا في عام 635م ولكن العرب أخلوهما في العام التالي عند اقتراب جيش قوي جمعه هرقل، ووقعت المواجهة بين الجيشين قرب اليرموك (أحد روافد نهر الأردن) وهزم الجيش البيزنطي في آب 636م، ثم استعاد العرب دمشق وغادر هرقل إنطاكية إلى الأبد في نفس السنة، وفي أواخر عام 637م استسلمت المدينة المقدسة المحاصرة نتيجة مفاوضة بطريركها الخلقيدوني اللامونوثيلي صفرونيوس مع الخليفة عمر بن الخطاب ودخلها عمر وصلى في باحة هيكل سليمان، أخيراً فتحت إنطاكية في عام 638م وقيصرية في عام 639م فتم فتح سوريا بأكملها.
كذلك أتاحت معركة القادسية عام 638م والتي انتهت بهزيمة الجيش الفارسي، للعرب فتح بلاد الرافدين ودخول العاصمة المدائن التي هرب منها آخر ملوك الفرس الساسانيين وقتل بعد وقت قصير، وبموته زالت دولة الفرس.
أما مصر فقد بدأ الهجوم عليها في أواخر عام 639م من قبل قوات عمرو بن العاص وانتهى بخروج البيزنطيين من الإسكندرية في أواخر عام 642م ودخول العرب إليها.
وفي السنوات التالية تابع العرب زحفهم غرباً في شمال إفريقيا حتى الأندلس وشرقاً في اتجاه الهند وشمالاً في اتجاه أرمينيا وأذربيجان(5)
مجمع القسطنطينية (680 – 681م):   
توفى الإمبراطور هرقل في عام 641م وحدثت بعض الفوضى والصراع على الحكم في العاصمة ثم وصل إلى عرشها حفيده قنسطانز الثاني (642 – 668م) وكان له من العمر إحدى عشر عاماً، استمر قنسطانز بتأييد عقيدة جدّه المونوثيلية واستمرت معارضتها من قبل الخلقيدونيين واللاخلقيدونيين وفي عام 668م قتل قنسطانز وتولى بعده ابنه قسطنطين الرابع الملقب ببوجوناتوس (ذو اللحية الحمراء) (668 – 885م) واشتّدت حدة الخلاف حول العقيدة المونوثيلية التي يبدو أن باباوات روما قد رفضوها أصلاً وأساقفة بيزنطة قد كرهوها، مما أدى بالإمبراطور إلى توجيه دعوة لعقد مجمع مسكوني في القسطنطينية في عام 680م.
حضر هذا المجمع بطريرك القسطنطينية جاورجيوس الخلقيدوني المونوثيلي، وبطريرك أنطاكية مكاريوس الخلقيدوني المونوثيلي الذي كان ومنذ الفتح الإسلامي يرسم ويقيم في القسطنطينية، ووفد بابا روما الخلقيدوني اللامونوثيلي، ووفد بطريرك الإسكندرية الخلقيدوني اللامونوثيلي، ووفد بطريرك أورشليم الخلقيدوني اللامونوثيلي. وبدأت أعمال هذا المجمع في السابع من تشرين الثاني عام 680م وانتهت في السادس عشر من أيلول عام 681م.
وكانت نتائجه تقرّ بتحريم عقيدة المشيئة الواحدة واعتبارها عقيدة هرطوقية وعلى هذا الأساس تخلى عنها بطريرك القسطنطينية جاورجيوس، أما بطريرك إنطاكية مكاريوس فقد أصّر على مونوثيليته فتمّ حرمه وتنحيته وتعين بطريرك جديد لامونوثيلي بدلاً عنه، وقد يكون سبب اصرار مكاريوس معرفته بانتشار هذه العقيدة في الأراضي التابعة لبطريركيته(6)
وهكذا تراجع جميع الخلقيدونيين عن عقيدة المشيئة الواحدة إلا في بطريركية إنطاكية الخلقيدونية التي انقسمت على أثر المجمع إلى بطريركيتين وإذا أضفنا البطريركية اللاخلقيدونية الموجودة أصلاً يكون قد أصبح في كنيسة إنطاكية ثلاث بطريركيات.
اعتبر الخلقيدونيون مجمع القسطنطينية (680 – 681م)  المجمع المسكوني السادس بينما رفضه الموارنة (ثم عادوا فقبلوا به عندما تخلوا عن المونوثيلية) ولم يعترف به طبعاً اللاخلقيدونيون والديوفيزيقيون.
بطريركية إنطاكية المارونية:
تصرّ المصادر والدراسات المارونية الحديثة على أن أول بطريرك لهم كان البطريرك يوحنا مارون الذي اختير بطريركاً من قبل جماعتهم المونوثيلية في عام 687م خلفاً لبطريرك إنطاكية الخلقيدوني اللامونوثيلي ثيوفانس الثاني    (681 – 687م) الذي عينه مجمع القسطنطينية الأخير، ولكنهم يؤكدون أنه كان بطريركاً على الموارنة فقط، وأنه هو الذي بدأ الهجرات التي قام بها أتباعه في السنوات والقرون اللاحقة من وسط سوريا وكافة الأصقاع السورية إلى جبال لبنان والجبال الساحلية السورية . أما الدراسات الخلقيدونية فإنها لا تذكر يوحنا مارون في سلسلة بطاركتها الإنطاكيين وإنما تعين سباستيانون أو اسطفان الثالث خلفاً لثيوفانس الأول عام 687م ولكنها رغم ذلك لا تنكر وجود بطريرك للموارنة في هذه الفترة يحمل اسم يوحنا مارون وتعتبره منشقاً عنها وخارجاً على مجمع خلقيدونية.
بينما تشكك المصادر اللاخلقيدونية الإنطاكية حتى بوجود شخصية تاريخية اسمها يوحنا مارون وترى أن الموارنة فريق منفصل عن كنيستها بسبب قبوله السريع لمذهب المشيئة الواحدة ومشابهة طقوسه لطقوسها وخصوصاً في موضوع التقديسات الثلاث (التريصاجيون) وتشير إلى أن الموارنة قد بدأوا بتسمية بطريرك لهم ليس قبل القرن الثالث عشر.
يبدو أن هذا الاختلاف في التأريخ لبطريركية الموارنة يعود إلى انعدام المصادر المارونية القديمة وإلى سكوت المصادر الخلقيدونية اللامونوثيلية واللاخلقيدونية(7)
في الحقيقة ليس هناك من موجب لرفض نظرية الموارنة بوجود بطريرك لهم في نهاية القرن السابع، فمجمع القسطنطينية عام 681م حرّم عقيدتهم وأتهمهم بالهرطقة فمن الطبيعي أن يرفضوا بطاركته ويختاروا بطريرك من بينهم، ثم أن بدء اضطهاد الكنيستين الإنطاكيتين الأخريتين لهم بالإضافة إلى اضطهاد السلطة السياسية الجديدة لا بد أن يكون دفعهم إلى مناطق الجبال المحمية وساعد على استقلالهم الإداري والعقائدي.
أسماء الكنائس:
من الصعب جداً معرفة متى بدأت كل كنيسة باستخدام اسم خاص يدل عليها ولكن من المنطقي أن تكون الكنائس المسيحية قد اتخذت أسمائها في هذه الفترة في مواجهة العرب المسلمين فتسمت كل منها باسم قبلت به وبقيت تستعمله حتى الآن، وإن كان خصومها وحتى الحكام العرب، قد تابعوا استعمال أسماء أخرى لها، استمرت كذلك في بعض الدراسات وكتابات المستشرقين حتى الآن.
1.  كنيسة إنطاكية اللاخلقيدونية: تسمى المسيحيون اللاخلقيدونيون اللذين يتبعون كرسي إنطاكية بالسريان، ويؤكدون أن السريان هم سكان سوريا وبلاد الرافدين القدماء الذين كانوا يدعون بالآراميين، وهم خليط وناتج جميع الشعوب التي سكنت المنطقة قبل قدوم الإسكندر المقدوني في عام 333 ق.م، من آراميين وكنعانيين وفينيقيين (كنعانيو الساحل) وآشوريين وبابليين وغيرهم، وأن اليونان قد قدموا في عهد الإسكندر وخلفائه واستقروا كجاليات في المدن، بينما بقي أغلب سكان المنطقة من الآراميين الذين أطلق عليهم  اسم السريان عندما أصبحوا مسيحيين، ويشرحون ذلك بقولهم بأن المسيحيين الأولين كانوا جميعهم سوريين فأطلق عليهم الوثنيون اسم "سريان" وهو تحريف من "سوريين" دلالة على دينهم، فبذلك يكون السريان قد أخذوا اسمهم من سوريا أو سوريا أخذت اسمها منهم. وهكذا أصبح يطلق اسم سرياني على كل آرامي متنصر وبقي اسم آرامي ليدل على الوثنيين(8) أما خصوم السريان فقد أطلقوا عليهم اسم يعاقبة أو مونوفيزيقيين وقد سبق شرح أسبابها.
2. الكنائس الخلقيدونية (اللامونوثيلية): أطلق المسيحيون اللذين قبلوا بمجمع خلقيدونية (ثم رفضوا عقيدة المشيئة الواحدة) على كنائسهم الأربعة (القسطنطينية، الإسكندرية، إنطاكية، أورشليم) اسم كنيسة الروم ويشرحون ذلك بقولهم أن المسيحية بدأت وانتشرت في الإمبراطورية الرومانية وأن الإمبراطورية الشرقية في القرن الرابع حافظت على اسم الرومان (وأطلق عليهم العرب اسم الروم) ولم يستعمل اسم الإمبراطورية البيزنطية إلاّ في القرون الأخيرة، لذلك فإن اسم كنيسة الروم يعني كنيسة الإمبراطورية الرومانية إي كنيسة العالم في بدء المسيحية ولا يعني اسم الروم بأن أتباعها لهم انتماء قومي معين فهم خليط من جميع الشعوب والأمم التي كانت تسكن الإمبراطورية الرومانية، وما سبب تمسكهم بالاسم إلاّ للدلالة على قدمهم وأصول كنيستهم التي تعود إلى القرن الأول المسيحي يوم كان جميع المسيحيين خاضعين لسلطة روما الزمنية(9) أما خصوم كنيسة الروم فقد أطلقوا على أتباعهم لقب الملكين لقبولهم بعقيدة الملك البيزنطي وقد أنكره الروم بقولهم أن الكثير من الملوك اضطهدوا كنيستهم سواء عندما كانوا وثنيين أو عندما تبنّوا هرطقات مختلفة، كذلك أطلق عليهم اسم الخلقيدونيين والبيزنطيين واليونان.
3. كنيسة الإسكندرية اللاخلقيدونية: أطلق أتباعها على أنفسهم اسم الأقباط وعلى كنيستهم اسم الكنيسة القبطية، ولا نعرف متى وما هو مصدر هذا الاسم ولكن الأقباط يصرون على أنهم سكان مصر القدماء وسلالة الفراعنة(10)، أما خصومهم فأطلقوا عليهم لقب مونوفيزيقيين كالسريان وأحيانا يعاقبة.
4. كنيسة الأرمن: أخذت اسمها من أتباعها الذين يتحدون قومياً وبقي الأرمن متمسكين بقوميتهم حتى بعد تشتتهم في العالم، كذلك دعتهم بعض المصادر بالغريغوريين نسبة إلى القديس غريغوريوس (كريكور) أما خصومهم فأطلقوا عليهم لقب مونوفيزيقيين كالسريان والأقباط.
5. كنيسة المشرق الديوفيزيقية: لا نعرف ماذا كان أتباع كنيسة المشرق يطلقون على أنفسهم في القرن السابع وقبل استعمالهم اسم آشوريين ولكن خصومهم سموهم دائماً بالنساطرة وقد يكونوا قد قبلوا هذا الاسم في إحدى مراحل تاريخهم.
6. كنيسة روما الخلقيدونية: من الأرجح أن كنيسة روما قد أطلقت على نفسها اسم كنيسة الرومان أو ببساطة كنيسة روما وقد حاربت دائماً ليكون لها الرئاسة على باقي الكنائس فما لبثت أن استعملت اسم الكنيسة الكاثوليكية والتي تعني الجامعة أما خصومها فقد دعوها أحياناً الكنيسة الغربية وأحياناً الكنيسة اللاتينية.
7. كنيسة الموارنة المونوثيلين: أطلق أتباعها على أنفسهم اسم الموارنة تيمناً بمار مارون الناسك القورشي أو بدير مارون قرب أفاميا، (أم أخذوا اسمهم من يوحنا مارون بطريركهم الأول؟ أم من دير مارون آخر؟ مع الملاحظة بأنه كان يوجد في سوريا عدّة أديرة تحمل اسم دير مارون أحدها قرب دمشق، ولا أعتقد أن تلك الأديرة سميت مارون على اسم الناسك القورشي حيث أنه لم يكن قديساً هاماً لدرجة تسمية عدّة أديرة على اسمه، وإنما من الممكن أن اسم "مارون" هو لهجة من الهجات السريانية للاسم "موران" الذي يعني السيد أي المسيح فتكون هذه الأديرة تعني دير السيد أو دير المسيح)(11). كما يطلق بعض الموارنة على أنفسهم أحيانا اسم المردة أو الجراجمة (وهم جماعة غير مؤكد أصلها، ضايقت العرب المسلمين في القرنين السابع والثامن، وكانت مدعومة من قبل البيزنطيين ومتوطنة أولا في شمال غرب سوريا ثم في جبال لبنان، وقد تم إجلاءهم أخيراً بموجب اتفاق هدنة بين العرب والبيزنطيين، ولا دلائل تاريخية تربطهم بالموارنة عنصرياً، وإنما قد يكون بعضهم قد قبل المونوثيلية فأصبح يتبع كنيسة الموارنة)(12)  أما خصوم الموارنة فقد دعوهم أحياناً مونوثيليين.
من المهم التأكيد على أن كافة الكنائس كانت تدعو نفسها أرثوذكسية ولا تزال كذلك حتى الآن، وغالباً ما تستعمل جميعها في مصادرها القديمة والحديثة اسم الأرثوذكسية والأرثوذكسيين مجرداً، للدلالة على نفسها.

محاولة لتبسيط العقائد وفهمها:  
سنحاول مجدداً شرح العقائد المسيحية التي مرت معنا بطريقة مبسطة جداً علّنا نستطيع استيعابها وفهم الفروقات بينها:
- قال آريوس بأن المسيح ليس إلهاً وإنما هو مخلوق من قبل الإله فجعله إنسانا عادياً فحرمه مجمع نيقية عام 325م.
- أجابه أبوليناريوس على طرف نقيض وقال إن الله الكلمة حلّ مكان العقل الإنساني في المسيح وبهذا يكون المسيح إلهاً تاماً وليس إنساناً أبداً فحرمه مجمع القسطنطينية عام 381م.
- حاول نسطور أن يوفق بين الرأيين فقال بأن المسيح شخصان، شخص إلهي وشخص إنساني وبالتالي فله طبيعتان واحدة إلهية وأخرى بشرية فحرمه مجمع أفسس عام 431م وشكّل أتباعه كنيسة مستقلة هي الكنيسة الآشورية.
- وردّ عليه أوطاخي بأن قال بل المسيح شخص واحد وطبيعة واحدة إلهية ذابت وانحلت فيها الطبيعة البشرية فحرمه مجمع خلقيدونيةعام 451م.
- وقال مجمع خلقيدونية بأن المسيح شخص واحد ولكنه طبيعتان منفصلتان فعارضه بعض المسيحيين وقالوا بل شخص واحد بطبيعة واحدة ولكنها مؤلفة من طبيعتين متحدتين بدون اختلاط ولا امتزاج ولا استحالة، وشكلّوا كنائس مستقلة هي إنطاكية السريانية والإسكندرية القبطية والأرمنية أما الذين قبلوا بمجمع خلقيدونية فشكلوا خمسة كنائس دعيت رومية وهي كنائس إنطاكية والقسطنطينية وروما والإسكندرية وأورشليم.
- حاول الإمبراطور هرقل توحيد المجموعتين المنفصلتين في خلقيدونية فقال بأن  المسيح شخص واحد في طبيعتين ولكنه ذو مشيئة واحدة، فرفضته المجموعتان وتبعته زمرة شكّلت كنيسة الموارنة.
 
الآريوسية       النسطورية      الخليقدونية      المونوثيلية       اللاخليقدونية         الأوطاخية       الأبولينارية
  المسيح         المسيح        المسيح         المسيح          المسيح             المسيح         المسيح
  إنسان         شخصان       شخص         شخص          شخص            شخص         إله          
                             طبيعتان        طبيعتان        طبيعتان         طبيعتان متحدتان    طبيعة واحدة    
                             مشيئتان        مشيئتان         مشيئة               مشيئة       مشيئة                    
كنائس نهاية القرن السابع:
1. كنيسة القسطنطينية للروم – خلقيدونية لامونوثيلية.
2. كنيسة روما الكاثوليكية – خلقيدونية لامونوثيلية.
3. كنيسة إنطاكية للروم – خلقيدونية لامونوثيلية.
4. كنيسة الإسكندرية للروم - خلقيدونية لامونوثيلية.
5. كنيسة أورشليم للروم – خلقيدونية لامونوثيلية.
6. كنيسة إنطاكية للسريان – لاخلقيدونية.
7. كنيسة الإسكندرية للأقباط – لاخلقيدونية.
8. كنيسة أرمينيا – لاخلقيدونية.
9. كنيسة الموارنة – مونوثيلية.
10. كنيسة المشرق – ديوفيزيقية.

منذر نزهة

خاص الجمل


 
---------------------------------------------------------------------------------------------
1 - معالم تاريخ الإمبراطورية البيزنطية – الدكتور محمود سعيد عمران – ص 69  /  الدولة البيزنطية 323-1081 – الدكتور السيد الباز العريني – ص 115 /    كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الأول – ص 424  
2 - كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الأول – ص 425 
3- كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الأول – ص 432  /    تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 278  /   المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس السريانية التراث – الموارنة – الأب الياس خليفة الهاشم – ص 278  /   الموارنة في التاريخ – متي موسى – ص 145
4-  المارونية لاهوت وحياة – الأباتي بولس نعمان – صفحات مختلفة  /  المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس السريانية التراث – الموارنة – الأب الياس خليفة الهاشم – ص 271  /  الموارنة في التاريخ – متي موسى –  صفحات مختلفة  
5 -فتوح البلدان – البلاذري – ص 71 وما بعدها  /  معالم تاريخ الإمبراطورية البيزنطية – الدكتور محمود سعيد عمران – ص 75  /  الدولة البيزنطية 323-1081 – الدكتور السيد الباز العريني – ص 134 /  كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الثاني – ص25
 6 -كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الثاني – ص 44  /   تاريخ الكنيسة المسيحية – سميرنوف –  ترجمة مطران الروم الأرثوذكس ألكسندروس جحا – ص 281  /      المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس السريانية التراث – الموارنة – الأب الياس خليفة الهاشم – ص 280  /  الموارنة في التاريخ – متي موسى – ص 157
7 -من تاريخ سورية الدنيوي والديني – المطران يوسف الدبس – الجزء التاسع – ص 63 / كنيسة مدينة الله إنطاكية العظمى – الدكتور أسد رستم – الجزء الثاني – ص 56  وسلسلة بطاركة الروم ص 378  /   الموارنة في التاريخ – متي موسى – ص 195
8 - بحوث تاريخية دينية أدبية – بطريرك السريان الأرثوذكس زكا الأول عيواص – الجزء الأول – ص 102
9 -المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس البيزنطية التراث – الروم – الأب جورج عطية – ص 291 
 10 - المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس القبطية التراث – الأقباط – جودت جبره – ص 317
11 -المسيحية عبر تاريخها في الشرق – مجلس كنائس الشرق الأوسط – نشوء الكنائس المشرقية وتراثها (القرن الخامس – القرن الثامن) – الكنائس السريانية التراث – الموارنة – الأب الياس خليفة الهاشم – ص 272 /   الموارنة في التاريخ – متي موسى – ص 27 
  12 - من تاريخ سورية الدنيوي والديني – المطران يوسف الدبس – الجزء التاسع – ص 41 / الموارنة في التاريخ – متي موسى – ص 259

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.