الأحاديث المنحولة في صحيح البخاري

القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد بين كتب السماء الذى حفظه الله من أى تحريف أو تدخل من البشر. وذلك مصداقا لوعد الله تعالى فى سورة الحجر: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» ومن اللحظة الأولى كان كتاب الوحى يكتبون ويسجلون من فم الرسول مباشرة، وكان جبريل عليه السلام يراجع كل ما كتب مع رسول الله أولا بأول حتى لا يكون هناك خطأ أو نسيان. أما بالنسبة للحديث فالأمر يختلف كل الاختلاف.

لقد جمع الرسول جميع الكتاب فى عصره وقال لهم: ـ «لاتكتبوا عنى غير القرآن. ومن كتب شيئا غير القرآن فليمحه». والحكمة فى ذلك أنه كان يخشى على القرآن أن يحدث خلط بينه وبين الحديث وهكذا ظل الحديث النبوى يتنقل بالذاكرة من جيل إلى جيل ولم يبدأ عصر التدوين الرسمى للحديث إلا فى عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز وذلك بإلحاح من كبار علماء المسلمين الذين رأوا ما يتعرض له الحديث من نسيان أو تحريف أو وضع وتأليف. وقد بدأ البخارى سنة 210 هـ أى بعد قرنين من وفاة الرسول. أسباب الوضع:

أولا: أن حفاظ الحديث قد تفرقوا فى الفتوح والجهاد فى أنحاء العالم أو استشهدوا أو ماتوا.

ثانيا: دخول الكثير من المنافقين والحاقدين والمغرضين فى الإسلام ورغبتهم فى الانتقام لضياع نفوذهم وسلطانهم أو دولهم.

ثالثا: الاسرائيليات: فقد دأب بنو اسرائيل على التخريب فى الديانات الأخرى بالوضع والكذب. فقد حرفوا كثيرا فى التوراة ثم فى الإنجيل ثم فى الحديث النبوى. وقد اعترف بعضهم أنهم وضعوا آلاف الأحاديث المكذوبة وبعضها ورد فى الكتب الصحاح ولم يمكن كشفها.. وعندما عجزوا عن التحريف فى القرآن صرفوا اهتمامهم إلى التحريف فى تفسيره. وفى هذا يقول الشيخ الدكتور محمد أبوشهبه أستاذ علوم القرآن «إن هدف هؤلاء أن يظهروا الإسلام والقرآن أنه يشتمل على الخرافات والترهات وأن فى تفسيره كثيرا مما يخالف حقائق العلم وسنن الله الكونية».

ولذلك فقد وجد رواة الحديث التسعة الكثير من المشقة فى الكشف عن الحديث الصحيح من الموضوع. وقد جمع الإمام البخارى 600 ألف حديث ولكنه استبعد معظمها للشك فى صحتها ولم يثبت عنده غير 4 آلاف حديث. ثم جاء بعده مسلم سنة 261هـ فجمع 300 ألف حديث لم يصح عنده غير 12 ألفا. وجمع أبو داود 500 ألف حديث لم يصح عنده غير 4800 حديث. فهذه الأرقام الكبيرة والخطيرة تدلنا على مدى اتساع الهوة وما أدخل على السنة من وضع وكذب وتأليف سواء بحسن نية وضعف الذاكرة أو بسوء نية ويقصد تشويه الإسلام. ورغم هذا التدقيق. فإن بعض هذه الأحاديث التى وردت فى الكتب الصحاح فيه الضعيف، والموضوع، والمكذوب.

وفي هذا يقول العالم الإسلامي الكبير ناصر الدين الألباني«إن عدد الأحاديث الضعيفة والموضوعة قد بلغ عنده 5 آلاف حديث في الكتب الصحاح ومنها البخارى ومسلم». والسبب فى ذلك أن كتاب الحديث الأوائل كانوا يعتمدون بالدرجة الأولى على سمعة الراوى ومدى صدقه.. وعلى شهادة الناس بأمانته وخلقه. وهذا مقياس رغم أهميته فهو لا يكفى ولا يكاد يعتمد عليه خاصة بعد مرور قرنين أو أكثر من وفاة الرسول وسوف أضرب هنا بعض الأمثلة عما ورد فى البخارى بالذات. باعتبار أنه أصدق الكتب بعد القرآن. وكان الإمام البخارى من أشد الناس حرصا وتدقيقا فى صدق الحديث كما أن جميع من أتوا بعد البخارى قد نقلوا عنه:

أولا: حديث رضاع الكبير: هذا الحديث قد ورد فى البخارى ومسلم وفى عدد من الكتب الصحاح. وقصته أن امرأة من نساء الصحابة سألت الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن غلام تربى فى بيتها منذ الصغر والآن قد كبر وأصبح رجلا فماذا تفعل بشأنه؟. فقال لها الرسول: أرضعيه خمس رضعات فيحرم عليك. قالت يا رسول الله إنه كبير قال إنى أعرف. قالت إن له لحية، كل ذلك ورسول الله يرخص لها أن ترضعه من ثديها. ثم تكتمل الرواية فى البخارى بأن السيدة عائشة أم المؤمنين أخذت بهذا الحديث فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال. فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبى بكر وبنات أخيها أن يرضعنه أولا من أثدائهن.

وقد تصدى العالم والمفكر الإسلامى الكبير عبدالفتاح ابن عساكر فى سلسلة من الكتب فى الرد على هذه الأحاديث الموضوعة وتكذيبها منشورة على الإنترنت: www.ibn Asakr. com فهناك 3 أسباب لتكذيب هذا الحديث:

ـ أنه يتعارض مع القرآن الذى ينص «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة» البقرة 233.
ـ ولأن سند هذا الحديث فيه طعون فى بعض رجاله فى جمع الروايات.
ـ ولأن فيه طعن على السيدة عائشة رضى الله عنها هى بريئة منه.
وقد كان هذا الحديث بالذات موضع بحث وندوات فى الإذاعة والتليفزيون حضرها مع الأستاذ عساكر بعض العلماء المتخصصين فى علوم الدين وعلوم الحديث.

ومعروف أن جميع رجال الدين السنة يعتبرون أن جميع ما ورد فى صحيح البخارى فهو صحيح. وأن البخارى بالذات هو أصح الكتب فى الإسلام بعد القرآن. وهم يرفضون التشكيك فى أى كلمة أو فقرة وردت فى البخارى حتى لو كانت تتعارض مع القرآن أو مع العقل والمنطق أو مع خلق الرسول (صلى الله عليه وسلم) وذلك بخلاف الشيعة الذين يرفضون أى حديث فيه ضعف ولو كان فى البخارى ويرفضون بالذات حديث الآحاد.

وهكذا أجمع علماء الدين من السنة أن هذا الحديث مادام ورد فى صحيح البخارى فهو صحيح ولا تجوز مناقشته ولو فيه مخالفة للقرآن.. ويذكرنا هذا بما حدث فى إحدى الدول العربية عندما نشر أستاذ جامعى بحثا عن حديث آخر فى البخارى يتنافى مع القرآن ومع المنطق والعقل. فثارت الجماعات الإسلامية المتطرفة وقامت مظاهرات وطالبوا بفصله من الجامعة وفعلا فصل. وبنفس الطريقة أغلق باب الحوار والتفكير فى حديث رضاعة الكبير تجنبا للشغب وإثارة الجماعات المتطرفة والجاهلة.

ولكن أهل العقل والمنطق وكل مسلم عالم فاهم حريص على إنقاذ الإسلام يجب أن يتحرك مهما كانت التضحيات فهناك الكثير من الأمثلة الأخرى.

ثانيا: حديث الذبابة: ونصه كالآتى: «إذا سقط الذباب فى شراب أحدكم فليغمسه كله ثم لينزعه ويشرب. فإن فى أحد جناحيه داء. وفى الآخر شفاء» البخارى. وقد نقل هذا الحديث بنصه سائر الرواة الآخرين عن البخارى مع اختلاف فى اللفظ ومنهم الدارمى وأحمد. ومعنى هذا الحديث أن أى مسلم متعلم وراق إذا رأى الذباب يعف على شرابه أو طعامه.. فحتى يتجنب العدوى والمرض فعليه أن يغمس هذا الذباب فى الإناء سواء كانت واحدة أو عشرات وبعد أن تغرق وتموت ينزعها ثم يشرب وهو مطمئن. ماذا لو علم خصوم الإسلام بهذا الحديث خاصة ونحن فى القرن 21. والمتربصون بالإسلام والمسلمين لا حصر لهم خاصة فى أوروبا وأمريكا. فهذا الحديث يتعارض بشدة مع علم الوبائيات وعلم الميكروبيولوجى وعلم الفيروسات كما يتعارض مع الذوق السليم وأهم من هذا كله أنه يتعارض مع القرآن الكريم. فمن الإعجاز القرآنى أنه فى كل آية تشير إلى طعام الإنسان وشرابه يصفه الله بأنه من الطيبات» فيقول تعالى:
«كلوا من طيبات ما رزقناكم» البقرة 172
وقوله: «يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات» المائدة 4
وقوله: «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم» المائدة 87
وقوله: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث» الأعراف 157.
ومعروف أن الذباب يحط على البراز والرمم والخبائث وينقل منها كل الأمراض وقد بلغ ما يحمله من جراثيم فى بطنه وجسمه 50 مليون جرثومة وهذا بحث لعالم ميكروبيولوجى والعجيب أن الكثير من علماء الدين يدافعون بشدة عن هذا الحديث لمجرد وروده فى البخارى ومنهم من يدعى أنه معجزة علمية من معجزات الرسول. ومن هؤلاء الشيخ الشعراوى والكاتب الإسلامى الكبير الأستاذ سعيد حوى مؤلف كتاب الرسول (دار الدعوة بيروت) فقد وضع فيه بابا كاملا عن الإعجاز العلمى لهذا الحديث يزعم أن العلماء الألمان قد توصلوا فى علم

الميكروبيولوجى إلى حقيقة معجزة لم تكن متوقعة أو معروفة أبدا. وهى أن الذباب فى أحد جناحيه عشرات الميكروبات. وأن فى الآخر مضاد لكل نوع منها. وأن هذا الاكتشاف قد تم من 30 سنة، وقد ذكر اسماء مجموعة من العلماء لم نسمع عنهم ولكنه لم ينشر أى تفاصيل علمية يمكن أن نتبعها. فالمفروض فى أى اكتشاف علمى خطير كهذا أن ينشر على العالم كله. وأن يغير جميع النظريات الطبية ونظام العلاج والدواء. وقطعا فإن الكذب فى هذا المجال يسىء إلى الرسول الكريم وإلى الإسلام والمسلمين.. ويجعلهم موضع سخرية من أعدائنا ومن أهل العلم. والعالم الوحيد المسلم الذى كانت لديه الشجاعة ليقول إن هذا الحديث مكذوب وموضوع رغم وروده فى البخارى هو الشيخ الدكتور عبدالمنعم النمر الذى قال «إن حديث الذبابة وغيره من الأحاديث التى وردت فى شئون الطب وغيره من الأمور الدنيوية العلمية.. لم يبعث الرسول لبيانها وتبليغها للناس». ثم يستشهد بقول الإمام ابن الجوزى «كل حديث رأيته تخالفه العقول وتناقضه الأصول فاعلم أنه موضوع» ثم يقول وهذا يحتم علينا أن نبعد هذا الحديث عن رسول الله والحكم أنه غير صحيح بل موضوع.

ثالثا: أحاديث عن الطب والعلاج:  جاء فى البخارى ومسلم أحاديث عن الطب والعلاج. من ذلك ما ذكر عن بول الناقة وأن شرب البول يشفى من كثير من الأمراض ومنها الاستسقاء وما ذكر عن الحجامة المتكررة وأنها شفاء من أوجاع الرأس والصداع. ولابد هنا من وقفة عقلانية وعلمية مما يسميه العامة بالطب النبوى. فقد كان الرسول إذا دعى لزيارة أى مريض يدعو له الله بالشفاء ثم يقول لأهله أدعو له الطبيب فيقولون له «وأنت تقول ذلك يا رسول الله» فيقول لهم «نعم.. تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا جعل له دواء علمه من علم وجهله من جهل» وهذا من أعظم إنجازات الإسلام وهو السبب الرئيسى فى تقدم الطب عند المسلمين قبل أوروبا: أنه يعترف بالطب والعلاج. فإذا كان الرسول نفسه يعترف بفضل الطب والأطباء فكيف يزعم العوام والجهلة بما يسمى الطب النبوى والعلاج بالبول والحجامة، فالإسلام قد جاء لشفاء ما فى الصدور: أى الأخلاق والمعاملات والحكم على هذه الأحاديث كما فى حديث الذبابة: أنها موضوعة للتجارة والرزق حتى بلغ العلاج ببول الناقة مبالغ خيالية. والعلم الحديث يؤكد ضرر بول الناقة وضرر الحجامة (انظر كتابى «القرآن والطب الحديث» الهيئة العامة للكتاب.

رابعا: حديث رقم 1285 البخارى:  «لن يدخل الجنة أحدكم بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله. قال ولا أنا» فهذا الحديث خطير جدا. ويتعارض مع نصوص كثيرة وقاطعة فى القرآن إذ يقول عن الجنة إنها جزاء على ما كانوا يعملون. ويقول: «إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة» مريم 60 فجميع آيات القرآن الكريم تؤكد أن الثواب والعقاب فى الآخرة يبنى على عمل الإنسان فى الدنيا. ولا يمكن أن يدخل إنسان الجنة إلا بعمله وإلا تكاسل الناس وامتنعوا عن عمل الخير وفسدت الحياة، وهذا أيضا يتعارض مع عشرات الأحاديث ومنها ما فى البخارى حول الحث على عمل الصالحات وأنها السبيل إلى الجنة. كانت هذه أربعة أمثلة فقط من أحاديث لا يمكن أن تكون صحيحة وردت فى الصحيحين بالذات «البخارى ومسلم» وتتعارض مع القرآن الكريم ومع ذلك يتمسك بها الكثيرون من المتدينين وأنصاف المتعملين من خطباء المساجد والجماعات المتطرفة خاصة الوهابيين. إن دين الإسلام هو دين العقل والتقدم، دين النهضة والعلم والحضارة.. وليس دين الخرافات والأباطيل والتخلف.

وإن من أعظم الواجبات فى عصرنا الحاضر على كل عالم مسلم دارس فاهم مخلص لدينه هى التصدى للدفاع عن الإسلام وإنقاذ المسلمين من أحد أهم أسباب تأخرهم وتخلفهم عن سائر شعوب العالم وهو هذه الأحاديث الموضوعة والمكذوبة التى تشوه صورة الإسلام. وهى كما ذكر علماء الحديث خمسة آلاف حديث مدسوس. وسوف نواصل البحث والتنبيه لهذا الهدف المقدس وللحديث بقية.

المصدر: روز اليوسف