«معركة النهروان»: القوات التركية تقصف مواقع «داعش»

قبل الإعلان عن القرار السري للكونغرس الأميركي بالموافقة على استئناف إرسال شحنات الأسلحة إلى المعارضة «المعتدلة» في سوريا، كانت شهادات ميدانية من ريف حلب تتحدث عن وجود أسلحة جديدة مع عناصر «الجبهة الإسلامية» لم يشاهد مثلها من قبل.عناصر من «جبهة النصرة» قرب مطار حلب الدولي امس الاول الذي تسيطر القوات السورية عليه (رويترز)
وذكرت صفحة «الجهاد نيوز» المقربة من تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) في 26 كانون الأول الحالي أن «الدعم الأميركي ـــ السعودي لأحرار الشام بأسلحة متطورة يظهر في ريف حلب الشمالي لقتال الدولة» وذلك قبل تسريب الخبر من قبل وكالات الأنباء.
وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل حسمت الإدارة الأميركية قرارها باعتبار «الجبهة الإسلامية» تنظيماً معتدلاً؟ وهل سبق ذلك حوار مع «الجبهة» أم أنه كان استشعاراً عن بعد؟
 وتزامن الحديث عن وصول الأسلحة المتطورة مع إطلاق «الجبهة الإسلامية» وحلفائها، «جيش المجاهدين» و«أحرار سوريا» معركة جديدة ضد «داعش» أطلقوا عليها إعلامياً اسم «معركة النهروان»، في إشارة إلى معركة النهروان التاريخية التي قادها الخليفة علي بن أبي طالب ضد الخوارج. فبحسب أدبيات «الجبهة الإسلامية» فإن «داعش» هي خوارج هذا العصر، وطبعاً فإن «الدولة الاسلامية» يرد بالمثل ويزيد.
دلالات اسم المعركة تفضح حجم العداء بين الطرفين، رغم كل محاولات تجميله أو التخفيف منه، عبر إسباغ توصيفات شرعية عليه مستمدة من كتب التراث، كالبغي أو الظلم، لتلافي مقولة التكفير والتكفير المضاد. ففي ريف حلب وريف إدلب الجميع يكفر الجميع (من الفصائل المتحاربة)، والحرب الدائرة بين التنظيمات «الجهادية» بعضها ضد بعض تتحول بالنسبة إلى كل فصيل إلى حرب وجود، ولم يعد ثمة مجال لأي مبادرة للتسوية وإصلاح ذات البين، فقد كانت «مبادرة أمة» التي أطلقها الشيخ السعودي عبدالله المحيسني آخر عهد هذه التنظيمات بالمبادرات، ولم يبق إلا القتال وحده لحسم الخلاف في ما بينهم.
وكان مقتل حجي بكر، الذي وصفته السلطات العراقية بأنه رئيس أركان «الدولة الإسلامية» العسكري، واختطاف زوجته وأبنائه، إشارة مهمة الى أن الأمور في ريف حلب الشمالي وصلت إلى نقطة الانفجار الكبير، وأنه لا خطوط حمراء تحكم المعركة بين الطرفين، لا دم ولا عرض ولا مهاجرون ولا أنصار. سقط التاريخ كله في اختبار التسابق على السيطرة والهيمنة.
اندلعت الاشتباكات في حريتان وكفر حمرة وآسيا، حيث قال بيان «معركة النهروان» إنه يستهدف تحريرهما من سيطرة «داعش»، ووصلت إمدادات إلى «الجبهة الإسلامية» من جهة الأتارب، في محاولة لإحكام الطوق على «داعش» من كل المحاور. وسرعان ما غلبت على المعركة معادلة الكر والفر المتبادل، «داعش» ينسحب من منطقة باشكوي وجزء من تل مصيبين الى الملاح، و«الجبهة الإسلامية» تسيطر على آسيا في حريتان، وتبادل سيطرة على منطقة المخفر والساحة داخل البلدة.
في غضون ذلك، واستمراراً لمحاولة الضغط على المقاتلين الأجانب للتخلي عن «داعش» وعدم القتال إلى جانبه، أعلن «تجمع ثوار منطقة الأتارب الإسلامي»، في بيان، تسهيله خروج كل مهاجر كان ينتمي الى «الدولة الإسلامية إلى خارج الشام»، في حين قرر منع «الأنصار»، ممن بايعوا التنظيم، على الاجتماع ولو كانا شخصين، كذلك منعهم من حمل السلاح والقبضات، مؤكداً أن ذلك سيُعتبر تآمراً على المسلمين.
لكن المعركة تتوسع أكثر مما كان متوقعاً، وتمتد إلى مناطق من الريف الشرقي لحلب حيث أرسل تنظيم «الدولة الإسلامية» رتلاً من محور عيشة باتجاه بلدة الراعي الحدودية مع تركيا، والقريبة من مدينة الباب، وتحاول «الجبهة الإسلامية» صد تقدم الرتل، لكنه ينجح في الوصول إلى مشارف البلدة، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة.
وقد استشعرت السلطات التركية بالخطر القادم إلى حدودها من رتل «داعش»، وخصوصاً بعد تقدمه ووصول الاشتباكات إلى داخل البلدة، أي على مشارف الحدود تماماً. فتنتشر على الفور قوات الجيش والحرس التركي على طول الحدود الملاصقة مع بلدة الراعي القريبة منها، وتباشر بحفر خندق بعمق 4 أمتار على الطريق الحدودي بحسب مصادر إعلامية، وذلك في محاولة منها لمنع أي عملية تسلل إلى الأراضي التركية.
وفي مؤشر على مدى خطورة المعارك الجارية، قامت القوات التركية بقصف مواقع «الدولة الاسلامية» داخل الأراضي السورية، ودمرت 3 آليات وفيما اتهمت مصادر «داعش» القوات التركية بمساندة «الجبهة الإسلامية» ضدها، تبادلت «الجبهة» و«داعش» الاتهامات حول المسؤول عن ضرب القذائف باتجاه الأراضي التركية.
ولكن أيّاً يكن السبب، فإن تركيا تختبر مرة بعد أخرى، خطورة الانزلاق في المواجهات الدائرة على حدودها، ومن المتوقع أن يكون لهذا الاختبار الجديد صداه على الجبهة الداخلية التي يقودها رئيس الحكومة التركية طيب رجب أردوغان ضد معارضيه، والتي يشكل فيها «انفلاش الارهاب» العابر للحدود عنصراً أساسياً، ولا سيما في ظل الأنباء عن وقوع ثلاثة قتلى من الأتراك.
وبينما الاشتباكات لا تزال مستمرة، يبدو أن رياح «معركة النهروان» تسير بعكس ما اشتهت سفن «الجبهة الإسلامية»، إذ مع بداية الشهر الحالي، وتحديداً في الرابع منه، كان عناصر تنظيم «داعش» ينسحبون من بلدة اخترين التي تبعد حوالي 20 كيلومترا عن الراعي، ولكن مع اليوم الثالث من «معركة النهروان» استطاعوا العودة إليها، وإعلان سيطرتهم عليها بالكامل. كما سيطر «داعش» على بلدة سوسيان الفاصلة بين الريفين الشرقي والشمالي، وانتزع السيطرة من «لواء التوحيد» على حاجز تل جيجان الذي يعتبر موقعه مهما، كونه يفصل بين مدينة حلب والريف الشمالي، ما يعني قطع الإمدادات عن «الجبهة الإسلامية» من هذا المحور.

عبد الله سليمان علي

 المصدر: السفير

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.