«الحياة الجديدة».. مــرض الحضــارة

«الحياة الجديدة» هي الرواية الرابعة للكاتب التركي أورهان باموق، أثارت ضجة في تركيا بمجرد نشرها في عام 1995، وصدرت مؤخراً عن «الانتشار العربي» ترجمة سها سامح حسن، وتعتبر من أسرع الكتب مبيعاً في التاريخ التركي. أورهان باموق عن تقرير الأكاديمية السويدية، بعد حيازته جائزة نوبل: «اكتشف باموق، في بحثه عن روح مدينته الحزينة، رموزاً جديدة لتضافر الحضارات وتصادمها». هذا التقديم الموجز للأكاديمية الأشهر في العالم الأدبي، تكاد «الحياة الجديدة» تجسّده وتقترب منه أكثر من أي كتاب آخر للكاتب الاشكالي ابن اسطنبول، وأحد كتّاب تركيا المعاصرة. في روايته هذه، غاص الكاتب في اسطنبول الحاضر والتاريخ، واستطاع الاستفادة من موقعه الجغرافي والتاريخي، فقد ولد في مدينة تقع في آسيا وأوروبا، مدينة كانت عاصمة بيزنطية وصارت عاصمة للعثمانيين باسم الخلافة الاسلامية، ولد في تركيا العلمانية بعد سنوات من سقوط تركيا العثمانية، ليكتشف رموزاً جديدة لهذا التضافر الخلاق وتلك الصدامات الدموية بين الحضارات، واستحق جائزة نوبل عن جدارة.
بعد صدور روايته: «القلعة البيضاء» بشّر بعض النقاد الغربيين بظهور نجم جديد في سماء الشرق. ثم «اسمي أحمر» واحدة من الروايات التي يمكن اعادة قراءتها مرات ومرات بمتعة فنية نادرة، وهي جديرة بأن تحتل موقعها بين الأعمال الخالدة في تاريخ الرواية.

«الكتاب الأسود»
فوز باموق بجائزة نوبل، لم يمر سهلاً إذ اندلع لحظتها سيل انتقادات وتُهم للجائزة، حتى وصل بأحد الكتّاب ان يقول ان من حق «فلان» وهو كاتب مصري هرم ليس بينه وبين الكتابة الأدبية الحقيقية أية صلة، ان يحلم بجائزة نوبل.
بعد «القلعة البيضاء» بدأ باموق تجريب تقنيات ما بعد الحداثة في رواياته، متجاوزا النزعة الطبيعية الصارمة التي كانت تتسم بها أعماله المبكرة مثل: «الظلام والنور» و«البيت الصامت»، ولم يحقق باموق النجاح على المستوى الشعبي إلا متأخراً بعض الشيء، مثل في «الكتاب الأسود» التي أصبحت من أكثر الأعمال شيوعاً وإثارة للجدل في الأدب التركي المعاصر، نتيجة تعقّد بنيتها وثرائها.
تمزج «الحياة الجديدة» بين السري والرومانسي والفلسفي، و«ثلج» تحكي الصراع بين النزعة الإسلامية والنزعة الغربية في تركيا الحديثة.
«الحياة الجديدة»، على سريتها، وسردها الذاتي الرومانسي فيها كسائر كتب باموق، ذلك الالتباس او عدم التحديد الناتجان جزئياً عن الصراع بين القيم الأوروبية والإسلامية. السرد محيّر أحياناً، لكن الرواية تحتوي على حبكات مثيرة ومعقدة وشخصيات عميقة. يفوح منها أيضاً، أريج المناقشات حول الفنون الخلاقة، كالأدب والرسم، والافتتان أيضاً.
«الحياة الجديدة» محاولة باموق لتقديم رؤيا من خلال تجربة الحب. إنه يقدم تأثير الحب على روح المرء بمزاج جاد، تغمر الرغبة الشديدة الراوي في عالم جديد، في حياة جديدة، تكاد تنضح بالحب، وتصل إلى درجة عالية من الوعي.
يبدأ أورهان باموق روايته بداية مدهشة حيث يقرر: «قرأت كتاباً في يوم ما فتغيرت حياتي كلها». يبدأ البطل، وهو غالباً الكاتب فهو يصف عائلته وبيته وأماكن طفولته، يبدأ بحثه عن تأثير هذا الكتاب فيمن قرأه قبله. ويتذكر أثناء ذلك ان كتباً انتقل قراؤها من الحانة إلى الجامع، وكتباً أخرى تحوّل قراؤها من مواطنين إلى ثوار أو إلى لصوص.
يعشق البطل الفتاة التي رأى معها الكتاب لأول مرة، ويبدأ رحلته معها للهرب من أسر المدينة الحزينة ومفردات الحياة القديمة بحثاً عن حياة جديدة، تناسب الكتاب الذي غيّر مجرى حياته. واقع تحت سحر الكتاب الذي قرأه، يستعرض البطل «اسطنبول» الآن في زمن العولمة، وذلك على متن باصات تقطع البر الأناضولي وتربط مدناً حديثة ذات طابع غربي بقرى نائية، ما زالت تقيم في العصور الوسطى.

شيطان الثروة
تدور أحداث الرواية في زمن مبهم، ربما في السبعينيات او الثمانينيات من القرن العشرين، وتتم جولات أبطاله (الشاب والفتاة) بشكل أساسي في سهول الأناضول، في بلدة تتمركز فيها تماثيل كمال أتاتورك، ويرى رونالد رايت في قراءة للترجمة الانكليزية للرواية، ان اكثر المشاهد وضوحاً هي المشاهد الداخلية. كتاب ساخر وعالم سينمائي سوداوي، حيث تظهر صور الحب والموت بشكل لا ينتهي على شاشات الفيديو في الحافلات المملة، وصور الليالي المخملية، وأغاني البوب المزعجة وحوادث الطرق المرعبة. وتكثر حوادث الاصطدام من دون اخلال بالعمل، وكأنها نقطة الانطلاق في فيلم من أفلام هوليوود بحثاً عن المزيد من التدمير الهائل للأرواح وتحطيم الاشياء وتهشيمها.
تتعامل «الحياة الجديدة» مع مصادر إلهامها بعناية، كما لو كانت عملا موسيقيا فاتنا ومعقداً. وهو تشبيه يرد في نص الرواية.
في الرواية، يمكن اقتفاء الخط الخطأ بين البكاء على التقاليد المفقودة، والوعد المتبخر بالحداثة في كل البلاد، ولكن هناك بلاداً قليلة يظهر فيها هذا الخط قريباً جدا من سطح القومية كما في تركيا.
أثناء مغامرات عثمان وجنان (بطلي الرواية) يعلقان على ما فعله وطنهم بنفسه في القرن العشرين، يرى عثمان ان تركيا أصبحت أرضاً تعاني من داء النسيان، عاجزة عن قراءة تاريخها، حتى اولئك الذين استفادوا من التقدم، يشعرون بأنهم حققوا ذلك على حساب أرواحهم. الحياة الجديدة التي يبحث عنها أبطال الرواية ليست مستقبلا فاتناً ابتلعته تركيا ولا تستطيع هضمه، لكنها أيضاً، وبصورة تنطوي على المفارقة، الذاكرة المشفرة، ذاكرة الماضي.
شيء صعب ونادر ما كتبه باموق في الحياة الجديدة، هي قصة أفكار تتناول ببراعة وذكاء العلل الثقافية الفريدة التي تعاني منها تركيا. لكن انجاز باموق عالمي أيضاً، يجعل القارئ الغربي خاصة، يفهم التفاهة والجشع اللذين يهددان الحضارة، وشيطان الثروة الذي أغوى الجميع، بالخروج من دنيا العقائد.

عناية جابر

المصدر: السفير

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.