«الإنياذة ».. ســليلة الأدب اليونانــي الراقــي

تعتبر ملحمة «الإنياذة» الملحمة الرابعة التي نقلها الناقد والمترجم السوري حنا عبود للعربية بعد «الإلياذة، الأوديسة» لهوميروس، و«الأرغونوتيكيا» لأبولونيوس الروديسي، وصدرت جميعها عن دار«هدى» في حمص. وما يميز ترجمة عبود للملاحم الشهيرة كتابته دراسة في مقدمة الكتاب يحلل فيها خصائص كل ملحمة، تيسّر عملية القراءة لها، وهي دراسات نزعم أن الملاحم لم تحظ بمثلها.

وريث هوميروس
يعتبر فرجيل الوريث الأول، والأعظم، للتقاليد الملحمية اليونانية التي بلغت أوجها على يد الشاعر اليوناني هوميروس. وهذا ما يدفع بالمترجم عبود للقول «لو وزعنا إنياذة فرجيل على التقاليد الملحمية لكانت جمعاً بين الملحمتين الهوميريتين: الإلياذة والأوديسة». وكان عبود قد رأى في دراسته الإلياذة أن أسلوبها هو أسلوب برّي، بينما أسلوب الأوديسة هو أسلوب بحري. إذ لا نجد في الأوديسة وصفاً للأنهار والأزهار والسهول والجبال والخيول والعربات والرماح والسيوف والدروع والتروس إلاّ القليل، بينما نجد الكثير والكثير جداً من هذه الأوصاف في الإلياذة، بل إن هناك وصفاً تفصيلياً للدرع الذي يصنعه الربّ الحداد هيفيستوس للبطل أخيل بناء على طلب أمه ثيطس. وبالمقابل لا نجد في الإلياذة وصفاً للأمواج والأنواء البحرية ولا الغيوم السوداء والبيضاء ولا تركيزاً على مصارعة العواصف والزوابع في وسط البحار. ويرى عبود أنه لو أخذنا المفردات البحرية التي في الأوديسة لكانت أضعاف المفردات البحرية في الإلياذة. إن هناك جواً بحرياً خاصاً أدخلتنا فيه الأوديسة، وسيكون له تأثير كبير في الكتّاب اللاحقين يمتد حتى أرنست همنغواي. في حين يرى عبود أن «الإنياذة» جمعت بين الأسلوبين البري والبحري. ويلاحظ أنه كما عزا هوميروس اسم الإلياذة إلى مدينة طروادة (إلياذة تعني بالضبط قصة إيليون أو إيليوم، وهو الاسم القديم لمدينة طروادة) واسم الأوديسة إلى البطل أوديسيوس، كذلك فعل فرجيل فسمى الملحمة باسم البطل. وهكذا تعني الإنياذة «قصة إينياس»، أي أن فرجيل قد تقيّد حتى بالتسمية. فضلاً عن أن الميثولوجيا الرومانية هي نفسها الميثولوجيا اليونانية مع تغيير بعض أسماء الآلهة، وهذا ما حث المترجم عبود على القول:
إن الجو الثقافي الذي ورثه فرجيل كان يهيئه لمثل هذه المهمة في متابعة التقاليد الهومرية، أو لنقل في منافستها. وإذا نظرنا في الإنياذة وجدناها قسمين شبه منفصلين: الأول مغامرات إينياس البحرية وكيف كابد عواصف البحر ومخاطر سكيلا وخاريبديس والسيكلوب، تماماً مثلما واجه سلفه أوديسيوس هذه المغامرات نفسها. لكن هذا لا يعني أن لا فروق بينهما، يشير إليها عبود «الفرق بينهما أن أوديسيوس يفقد كل بحارته، ولم يبق على ظهر سفينته سواه، فوصل إلى إيثاكا وحيداً بعد المساعدة الكبيرة التي قدمتها له الربة أثينا، بينما لا يفقد إينياس في مغامراته البحرية سوى بحار واحد فقط. أما بقية البحارة الذين ظن أن البحر ابتلعهم، فقد وجدهم أحياء في مدينة قرطاجة. وبالطبع لن يسمح فرجيل لبطله إينياس بأن يتخلى عن بحارته كما حدث مع سلفه اليوناني، لسبب بسيط وهو أنه سيعتمد على هذا الجيش في محاربة الروتوليين واحتلال الشاطئ الإيطالي». ولو سمح فرجيل لإينياس أن يفقد جنوده لكان عليه أن يأتي له بجنود آخرين، كأن يأخذهم معه من قرطاجة، على سبيل المثال، أو من مكان آخر، حتى يقود الحرب في إيطاليا ويؤسس الإمبراطورية الرومانية.

ضرورات السرد
وثمة فروق أخرى بين الملحمتين يتابع عبود سردها فيرى أن القسم الأول من الإنياذة يختلف عن الأوديسة من ناحية أخرى وهي أن البطل اليوناني يقوده الحنين إلى الوطن والزوجة والولد، بينما إينياس فقد زوجته وأباه أثناء الرحلة الشاقة، وبقي ابنه معه إلى نهاية الملحمة، ولم يكن في تجوال بحثاً عنه كما فعل ابن أوديسيوس الذي نال اسمه «تليماخوس» شهرة عالمية بسبب موقفه من الخاطبين والأم والأب والحاشية والخدم، ومغامراته التي سعى فيها للعثور على الغائب المجهول. وكما كان تليماخوس صبياً في طور النمو، كذلك كان أسكانيوس بن إينياس. ولكن الفرق أن الأول نما في غياب أبيه، والثاني نما تحت أنظار أبيه. ويعزو عبود هذه التغييرات التي نجدها في الإنياذة إلى ضرورات السرد الفني لأن في نية فرجيل ألا يقف عند «رحلة العودة» بل أن يدير حرباً شديدة مثل الحرب الطروادية. وما عدا ذلك فإن القسم الأول يشبه تماماً الأوديسة، حتى في افتتاح النشيد الأول، حيث يفصح عن غرضه ويناشد ربات الفنون أن يسعفنه. بل يزور بطله رب الرياح أيولوس كما زاره أوديسيوس، ويمر بالمضائق ذاتها ويزور العالم السفلي برفقة سيبيل كما زاره سلفه اليوناني، ويقابل أباه أيضاً ويتحدث معه، ويعلم المستقبل منه، وليس من العرّاف تريسياس كما فعل أوديسيوس. وفي القسم الثاني يتبع فرجيل السنّة الهوميرية في السرد، بحسب قول عبود. فهو يسرع بنا إلى الشاطئ الإيطالي بقليل جداً من المغامرات البحرية، حتى يدخلنا في الملحمة الحربية مباشرة. ولكن الحرب هنا تختلف عن حرب الإلياذة من حيث ان فيها أكثر من مركز قوة. ولذلك نجد إيناس يقوم بالمفاوضات حتى يضمن إلى جانبه ما يلزمه لتنفيذ ما خطّه له القدر من أنه سيكون من آباء الإمبراطورية الرومانية المؤسسين. ولكن من جهة أخرى نرى فرجيل في المشهد الأخير الذي يلاحق فيه إينياس خصمه تورنوس الهارب، المسؤول عن هذه الحروب، يسير على خطى هوميروس عندما صوّر مطاردة أخيل لخصمه هكتور أمام أسوار طروادة، وقد اتهم بالسطو حتى على بعض التعبيرات الهوميرية.

أصالة العرق الروماني
ويقدم عبود وهو في سبيله للحديث عن استخدام فرجيل للتاريخ في الإنياذة لمحة عن المراحل التاريخية التي مرت بها روما، ثم يشير إلى أن هدف الإلياذة تقديم صورة عن الحرب الطاحنة التي استمرت عشر سنوات. أما الإنياذة فتحمل هدفاً خاصاً لفرجيل، وهو تأكيد أصالة العرق الروماني. ثم يدقق في ما فعله فرجيل، فيجد من حيث التاريخ أننا أمام مخالفة كاملة للسنة الهوميرية. فهوميروس لم يُدخل التاريخ في ملحمتيه. اقتصر في الأولى على حدث تاريخي هو الحرب الطروادية، وفي الثانية اعتمد على بعض المرويات التي تحدثت عن عودة أوديسيوس فقط. أما فرجيل فينقلنا إلى تاريخ كامل، صاغه من مخيلته، إلى أن وصل إلى التاريخ الموثق الذي يبدأ برومولوس، وهنا لم يشأ أن يطلق العنان كثيراً لمخيلته، وإن كان أولى وليّ نعمته أوغسطوس المقام الأول والأفخم بين الأباطرة. إخلاص فرجيل في نظر عبود للتاريخ يبدأ بعد أن يروي ليجندة إينياس. وهو يبتدع هذه الليجندة لا لشيء إلا لتأصيل قوم كانوا رعاة غزاة. وبهذه الطريقة، أي بتأصيل من يحتاج إلى أصل رفيع.

استخدام التاريخ
ويلاحظ القارئ مدى قدرة عبود على تسجيل ملاحظات جديدة وهامة فهو يعتبر فرجيل أول من مارس كتابة «التاريخ القومي» قبل القرن التاسع عشر بتسعة عشر قرناً، وقبل أن يضع هتلر كتابه المشهور»كفاحي» بعشرين قرناً. ويمضي بالقول «ما يلفت النظر حقاً أن تمجيد هتلر للعرق الجرماني يشبه كثيراً ما أضفاه فرجيل على الرومان من صفات وما حدده لهم من مهمات، من أمثال بسط سلطتهم على العالم، وتقديم الخير للبشرية، وتحقيق السلم حتى تظل بوابات جانوس مغلقة تماماً، وتوطيد القانون ونشر العدالة. . . الخ. هتلر كان متشدداً قومياً إلى الحد الأقصى، ولكن خياله الإمبراطوري لم يكن أقل من خيال فرجيل. والتاريخ القومي اليوم يفعل ما فعله فرجيل من حيث ان الشعب المؤرَخ له هو أعظم الشعوب وأعدلها وأقواها وهو وحده دون غيره يستحق أن يفرض القانون والأخلاق والقيم والعدالة والحق على بقية الأمم، إنه خير شعب ظهر في التاريخ. فمن جهة نلاحظ «الشعب الراقي» ومن جهة أخرى نجد «الرسالة الخالدة» التي يحملها هذا الشعب بالذات. ولو أخذنا التاريخ القومي عبر التاريخ لوجدنا أن كل الشعوب تحمل هذه الرسالة، وأن كل الشعوب تعتبر «راقية» لدى المؤرخين القوميين. ولكن من ناحية ثانية نرى أن كل الشعوب تعتبر متخلفة في نظر هذا الشعب الراقي أو الذي اعتبر نفسه راقياً، أو الذي اعتبره راقياً هذا المفكر أو ذاك. فالتاريخ القومي يشتمل ضمناً أو صراحة على نظرة استعلائية تجاه الأمم الأخرى».

الجغرافيا أول مرة
والخصوصية التي تتمتع بها الإنياذة تتجسد في تحديد فرجيل فيها لجغرافيا العالم السفلي إذ لم يكن العالم السفلي كما يشير عبود واضحاً عند اليونان بالدقة التي قدمها لنا فرجيل. إذ لم يحدد الأدباء والمفكرون مكان «ربات الانتقام» تماماً، أو لم يتفقوا على مكان وجودهن أو إقامتهن. بعضهم كان يقول إنهن في أقصى الطرف الغربي للأرض، وكان «هيراكليت» يقول إن ربات الانتقام يطفن دائماً في الأرض لمعاقبة المجرمين بحق القوانين الأخلاقية، وأنهن مسؤولات عن أشياء كثيرة. فرجيل وحده قدم الجغرافيا التي صارت معتمدة عند جميع المثقفين حتى هذه الأيام. إن كل شيء تقريباً بات واضحاً في العالم السفلي. هذه الجغرافيا الواضحة جاءت بحسب ما يظن عبود نتيجة موقفه الأخلاقي النبيل. إذ قسّم هذا العالم المظلم القاتم الكئيب وفقاً لقيم ومقاييس أخلاقية. ولكن ليست الأخلاقيات وحدها هي حادي فرجيل إلى رسم جغرافية العالم السفلي، فوضوح الأفكار التي تميز بها فرجيل، في كل آثاره، هي في نظر عبود التي جعلته يعيد ترتيب العالم السفلي بصورة أكثر بروزاً ووضوحاً. فقد حدّد أنهار الجحيم وأسواره وحجره وقارب العبور مع المعداوي خارون الذي ينقل نفوس الموتى، وقصر رب النوم والموت والبوابات القرنية الأحلام الحقيقية، والبوابات العاجية التي منها تخرج الأحلام الزائفة. ولا يعتقد عبود أن بعد فرجيل قد جرت محاولات لإعادة رسم هذه الجغرافيا، وإنما لترتيبها وتنسيقها لتصير أكثر تماسكاً ودقة.

رائد الرومانتيكية
ليس فرجيل أول الرومانتيكيين في العالم - كما يشير عبود - بل سبقه الكثير من الشعراء، بل من كتاب الملاحم. والحديث عن الرومانتيكية يدفع بعبود إلى اعتبار المشاعر الرومانتيكية، مشاعر عميقة في التكوين البيولوجي الإنساني. وإلى الإشارة أن من أبرز هؤلاء الشعراء أبولونيوس الروديسي، صاحب ملحمة «الأرغونوتيكيا» التي تروي رحلة جاسون وأبطال اليونان إلى بلاد الكولخيس لاستعادة الجرّة الذهبية. وأبولونيوس الذي أدار مكتبة الاسكندرية فترة من الزمن، كان أسبق من فرجيل إلى الرومانتيكية، ولكنه لم يكن أفضل منه في الأداء التصويري والشعري، حتى في المقاطع التي اعتمد فيها فرجيل على أبولونيوس، وبخاصة علاقة الحب. فقد استفاد من العشق الجارف لميديا، ونقله إلى ديدو، وأوكل المهمات لربة الجمال وابنها الطائش كيوبيد، إله الحب. بيد أن فرجيل كان أقل مبالغة في تقديم الصور الطبيعية والمواقف الإنسانية. فرجيل بحسب تحليل عبود جمع بين الأسلوب الكلاسيكي والأسلوب الرومانتيكي، وإن كانت الغلبة دائما للثاني في هذه الملحمة.

إملاء الضرورة
وتعتبر ترجمة الشاعر الإنكليزي جون درايدن في نظر عبود من أهم الترجمات المعتمدة للإنياذة، (وهي النسخة التي نقلها للعربية) رغم أنه لم يلتزم بترقيم الأبيات كما وردت عند فرجيل، بل تصرف بحسب إملاء الضرورة، فكان يتوسع في المعنى الغامض حتى يتضح، فيجعل البيت في بيتين أحياناً دون أن يؤثر ذلك على المضمون، بل بالعكس، فإنه كان يزيد المعنى وضوحاً. وكانت ضرورة القافية أحياناً تجعله يلجأ إلى التوسع في المعنى، إلا أنه سعى جاهداً لأن يأتينا بإيقاعات فرجيل ذاتها، من غير أي إخلال بالمضمون أو حتى بالأفكار الفرعية الدقيقة.

نضال بشارة

المصدر: السفير

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.